وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين [1] أو: في حق المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه. وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي والله أعلم) [2] . وقال ابن رجب أيضًا في كتابه النفيس: (جامع العلوم والحكم) : (وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذَبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدُوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد رَوَى محمد المُحْرِمُ هذا التأويلَ عن عطاءٍ، وأنه قال: حدثني به جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه [3] ، وهذا كذب، والمحرم شيخ كذاب معروف بالكذب.
وقد رُوي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله:"ثلاث من كن فيه، فهو منافق"، وقال: قد حدَّث إخوة يوسف فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، ولم يكونوا منافقين.
وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده وإنما بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث ثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم، لا شك في ثبوته وصحته.
(بماذا فُسِّر النفاق؟) :
والذي فسره به أهل العلم المعتبرون: أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه.
وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر، وهو: أن يُظْهر الإنسانُ الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُبطن ما يناقض ذلك كله أو: بعضَه.
(1) -حتى ولو ورد هذا في حق شخص معين.: (فالوارد على سبب خاص يُعَمَّم) ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السب، على الراجح.
(2) -انظر: (فتح الباري) (1/ 124/125/ 126/ رقم:33/ 34) للحافظ ابن رجب.
(3) -قال المحققان: (رواه ابن عدي في"الكامل""6/ 2154"، وقال: محمد المحرم ليس بشيء. وكذا قال أبو حاتم، وقال البخاري:"منكر الحديث"، وتركه النسائي، وقال أبو داود: ليس بثقة) . تنبيه: (قال أحمد ابن صالح: لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. انظر: علوم الحديث:"240"، و"الميزان""3/ 70"و"لسانه""1/ 12"، و"فتح المغيث"1/ 372"، و"مجموع الفتاوى""24/ 439/350"و"السير""5/ 87"و"حاشية الرفه والتكميل""ص:141"و"ضوابط الجرح والتعديل""145/ 146") ."