وحاصل [1] الأمر: أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج قاله الحسن.
وقال الحسن أيضًا: (من النفاق اختلاف القلب واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج) [2] . وقال طائفة من السلف: (خشوع النفاق أن تَرى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع) . وروي معنى ذلك عن عمر.
وروي عنه أنه قال على المنبر: (إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ [3] قال: يتكلم بالحكمة [4] ، ويعمل بالجور، أو: قال: المنكر؟) [5] . وسئل حذيفة عن المنافق فق:
(1) -قالت حرم المؤلف أم رميصاء: التحصيل هو: جمع كلام سابق في عبارة مختصرة. مثل أن نقول-في تحصيل ما سبق-: (النفاق الأصغر وهو العملي: أن يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق يرجع إلى حديث عبد الله بن عمر، وأبي هريرة وغيرهما، وهي خمسة:
1 -أن يحدث بحديث لمن يصدقه به وهو كاذب له-
2 -إذا وعد أخلف، وهو على نوعين:
أ-أن يعد ومن نيته أن لا يفي بوعده وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل كان كذبًا وخُلْفًا-قاله الأوزاعي.
ب-بأن يعد ومن نيته أن يفي ثم يبدوا له، فيخلف من غير عذر له في الخلف-3 - إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إلى الكذب-4 - إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد، والغدر حرام في كل عهد، بين المسلمين وغيرهم، ولو كان المعاهد كافرًا-5 - الخيانة في الأمانة، فإذا ائتمن المسلم أمانة، فالواجب عليه أن يؤديها. وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القلب واللسان، واختلاف الدخول الخروج، ولهذا قالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن يرى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع. وهذا النفاق لا يخرج من الملة فهو:"نفاق دون نفاق"لحديث ابن عمرو، مرفوعًا: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ... الحديث) . رواه البخاري في: كتاب الإيمان، باب: علامة المنافق"1/ 17/رقم:34"، ومسلم في: كتاب الإيمان، باب: خصال النفاق1/ 78/رقم:58). انظر: (جامع العلوم والحكم) (2/ 490) .
(2) -سبق تخريجه في أول هذه الرسالة. قال محققا (الجامع) (2/ 490) : (أورده الفريابي في(صفة المنافق) (49) عن أبي بكر ابن أبي شيبة ... ). الخ.
(3) -قال عبد الله بن المعتز: (علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله) أورده الحافظ أبو بكر أحمد علي ابن ثابت الخطيب في كتابه النفيس: (اقتضاء العلم العمل) (ص:174/رقم:47) تحقيق وتخريج الشيخ الألباني.
(4) -الحكمة: (وضع الشيء في موضعه) . والسفه: ضد الحكمة (التعريفات) (ص:73) .
(5) -هذا الأثر حسن، وهو موقوف على عمر وله شواهد مرفوعة أوردها الفريابي في (صفة النفاق وذم المنافقين) (ص:38/ 39/41) تحقيق: عبد الرقيب. بلفظ: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان) . وهذا الحديث صحيح، رجاله كلهم ثقات. ومن حديث عمر مرفوعًا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان) أخرجه أحمد في (المسند) (1/ 22/44) بسند حسن لغيره، انظر: (صحيح الجامع الصغير) (1550) ، و (الصحيحة) (1013) . وورد بلفظ: (إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة: المنافق العليم. قيل: وكيف يكون المنافق العليم؟ قال: عالم اللسان، جاهل القلب والعمل) وهو موقوف على عمر وهو حسن وله شواهد مرفوعة كما سبق. وعنه-وله شواهد أيضًا-بلفظ: (حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم اللسان) الخ. ورواه البزار في (مسند) (170 - كشف) ، والطبراني في (الكبير) (18/ 237) ، وابن حبان (80 - إحسان) ، بسند صحيح عن عمرا مرفوعًا. وقوله صلى الله عليه وسلم: (كل منافق عليم اللسان) ، المراد به: كل من كان من أهل النفاق، وهو مع ذلك فصيح اللسان حسن البيان، يزخرف القول لترويج نفاقه بكل ما أوتي من قوة وسنان. وهؤلا المنافقون ذوو الألسنة الخداعة وعلى رأسهم جميعًا: هؤلاء العلماء المنافقون الذين يضيعون حقائق هذا الدين، ويضلون العباد، رجاء منصب زائل أو: جاه فان أو: مال ذاهب أو: غير ذلك من الأغراض المهلكة، فعقلهم وعلمهم في جيوبهم وجيوب الحكام المستبدين، وهم يبحثون عن أدلة-حتى ولو كانت في التوراة المزورة، أو: الإنجيل-لتسويغ ظلم الحكام!!!).