الصفحة 72 من 139

أشهر الناس بالنفاق-ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين.

وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته، هل يرث ويورث؟ على قولين، والصحيح أنه يرث ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق، كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو: منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهره من موالاة المسلمين، فقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" [1] لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، بل: كانوا يورثون ويرثون، وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين، وقد أخبر الله عنهم أنهم يصلون ويزكون، ومع هذا لم يقبل ذلك منهم فقال: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) [2] . وقال: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا) [3] .

وفي"صحيح مسلم"عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا"، وكانوا يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في المغازي، كما خرج ابن أُبي في غزوة بني المصطلق، وقال فيها: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) [4] . وفي"الصحيحين"عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) [5] . من حوله، وقال: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي، فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، فقال: كذب زيد رسول الله فوقع في نفسي مما قالوه شدة، حتى أنزل الله تصديقي: (إذا جاءك المنافقون) قال: ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم.

وفي غزوة تبوك [6] استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم كما استنفر غيرهم، فخرج بعضهم معه، وبعضهم تخلفوا، وكان في الذين خرجوا معه من همَّ بقتلهِ في الطريق، هموا بحل حزام ناقته ليقع في واد هناك، فجاءه الوحي، فأسر إلى حذيفة أسماءهم، ولذلك يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما ثبت ذلك في"الصحيح"، ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان.

(1) -قال الألباني: أخرجه الشيخان، (وانظر:"مختصر صحيح مسلم"994، و"صحيح الجامع وزيادته"7685) .

(2) -سورة التوبة، الآية رقم: (54) .

(3) -سورة النساء، الآية رقم: (142) .

(4) -سورة المنافقون، الآية رقم: (8) .

(5) -سورة المنافقون، الآية رقم: (7) .

(6) -انظر: (تفسير الطبري) (10/ 172/173) ، و (تفسير ابن كثير) (4/ 111/112) ، و (أسباب النزول للواحدي) (ص:250)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت