وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام، فإن كثيرًا من المتأخرين ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو: فاسق وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة، والنفاق شعب كثيرة، وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم.
ففي"الصحيحين"عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) وفي لفظ لمسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) .
وفي"الصحيحين"عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولًا يصلي عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه الله عن ذلك فقال: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره) [1] . وقال: (استغفر لهم أولى لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) [2] . فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم، ولكن دماءهم وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحل من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون، بل: يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) [3] . ولما قال لأسامة: ("أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟"قال: إنما قالها تعوذًا، قال:"هلا شققت عن قلبه؟"وقال:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم") [4] . وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول:"أليس يصلي، أليس يتشهد؟" [5] ، فإذا قيل له: إنه منافق. قال:"ذاك" [6] ، فكان صلى الله عليه وسلم حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه، قال تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) [7] . وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق، ومن علم أنه منافق لم يصل عليه. وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة، لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم، وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) [8] .
(1) -سورة التوبة، الآية رقم: (84) .
(2) -سورة التوبة، الآية رقم: (80) .
(3) -متفق عليه، (هو في"مختصر صحيح مسلم"رقم:5) . هامش كتاب: (الإيمان) (ص:169) .
(4) -قال الألباني: (رواه مسلم. هو في"مختصر صحيح مسلم"رقم:7) .
(5) -متفق عليه.
(6) -متفق عليه، وهو قطعة من الحديث الذي قبله. والتخريج-دائمًا-من هامش كتاب (الإيمان) (ص:169) لابن تيمية، تحقيق الشيخ الألباني.
(7) -سورة التوبة، الآية رقم: (101) .
(8) -سورة الممتحنة، الآية رقم: (10) .