الصفحة 74 من 139

والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم يكن على الناس أن لا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه، وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلًا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه، وصاحب الجارية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة، إنما أراد الإيمان الظاهر الذي يفرق به بين المسلم والكافر، وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن يعتق إلا من علم أن الإيمان في قلبه، فإنه لا يعلم ذلك مطلقًا، بل: ولا أحد من الخلق يعلم ذلك مطلقًا، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق والله يقول له: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) [1] . فأولئك إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم فيهم كحكمه في سائر المؤمنين، ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها، ولم يكن منهيًا عن الصلاة إلا على من علم نفاقه، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم، وهذا لا يقدر عليه بشر.

ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: (ومنهم، ومنهم) [2] . صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزم لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلومًا عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن، ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق، وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانًا ما كان يمكنهم قبل ذلك، وأنزل الله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا) [3] . فلما توعدوا بالقتل إذا أظهروا النفاق، كتموه.

ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق، فقيل: يستتاب، واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم، ويكل أمرهم إلى الله، فيقال له: هذا كان في أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا) فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا، فكتموه.

والزنديق: هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق، قالوا: ولا تعلم توبته، لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق، ولو قبلت توبة الزندقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتيل.

والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة، وإلا فقد ثبت عنه أن سعدًا لما شهد لرجل أنه مؤمن قال: أو: مسلم. وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة، فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لا بد أن يكون مؤمنًا في الباطن باتفاق جميع أهل

(1) -سورة التوبة، الآية رقم: (101) .

(2) -سورة التوبة، الآيات: (49/ 58/75) ، وهي: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ... 49) ، (ومنهم من يلمزك في الصدقات ... -58) ، (ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ... -75) .

(3) -سورة الأحزاب، الآية، رقم: (60/ 61/62) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت