الصفحة 75 من 139

القبلة، حتى الكرَّامية الذين يسمون المنافق مؤمنًا ويقولون: الإيمان هو الكلمة [1] ، يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن.

وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل، ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء في الرقبة التي تجزئ في الكفارة العمل الظاهر، فتنازعوا هل يجزئ الصغير؟ على قولين معروفين للسلف هما روايتان عن أحمد، فقيل: لا يجزئ عتقه، لأن الإيمان قول وعمل، والصغير لم يؤمن بنفسه إنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام الدنيا، ولم يشترط أحد أن يعلم أنه مؤمن في الباطن، وقيل: بل: يجزئ عتقه، لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه، فكما أنه يرث منهما ويصلى عليه، ولا يصلى إلا على مؤمن، فإنه يعتق.

وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا، ويدفنون في مقابر المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياته وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقًا في الباطن، ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام، كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها، ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون، والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن [2] ، فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر، والله يتولى السرائر [3] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك، وعلل ذلك بالكفر، فكان ذلك دليلًا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار له وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب.

وإذا ترك الإمام أو: أهل العلم والدين الصلاة على بعض المتظاهرين ببدعة أو: فجور زجرًا عنها، لم يكن ذلك محرمًا للصلاة عليه والاستغفار له، بل: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال، وقاتل نفسه، والمدين الذي لا وفاء له: (صلوا على صاحبكم) [4] . وروي أنه كان يستغفر للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرًا عن مثل مذهبه، كما روي في حديث محلم بن جثامة.

وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان: مؤمن أو: منافق، فالمنافق في الدرك الأسفل من النار، والآخر مؤمن، ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق، وقد يكون تام الإيمان، وهذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله في مسألة الإسلام والإيمان، وأسماء الفساق من أهل الملة، لكن المقصود هنا أنه لا يُجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها-ولو دعا الناس إليها-كافرًا في

(1) -قال الإمامان: الزهري، وأحمد:"الإسلام كلمة، والإيمان قول وعمل" (الإيمان) (240) لابن تيمية.

(2) -يشير إلى قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره) . (سورة التوبة، الآية رقم:85) .

(3) -وكثيرًا ما سمعنا من خطباء العصر قولهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر) . وهو كذب منهم صراح على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل: أقل ما يقال فيه إنه: من كلام الفقهاء. فالمنابر تشكوا إلى الله من ركَّابها.

(4) -قال الشيخ الألباني: (انظر:"مختصر صحيح مسلم"999، و"صحيح سنن النسائي"1855، و"ضعيف سنن ابن ماجة"625) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت