الأمجاد ليقوموا لهم بأعمال الهدم والتدمير في أجسام المجتمعات الإسلامية على مدار القرون، وبخاصة في العصر الحديث ..
ولكنهم لم يقدروا على شيء واحد - والظروف الظاهرية كلها مهيأة له - .. لم يقدروا على إحداث شيء في هذا الكتاب المحفوظ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا يدفع ولا يمنع فدل هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقا تنزيل من عزيز حكيم.
لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجرد وعد. أما هواليوم - من وراء كل تلك الأحداث الضخام ومن وراء كل تلك القرون الطوال. فهوالمعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب، والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» .. وصدق الله العظيم .. وما يختار!!! [1]
والغايةُ من ذلك أن تبقى حجةُ الله قائمةً على الناس. والقرآنُ أنزله اللهُ للعالمين جميعًا، وللناس كافةً، وليس خاصًا لقوم معينين كما كانت الكتبُ السابقة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (28) سورة سبأ.
والذين يكتبون عن الإسلام فيقولون: إنه أول دين جاء بالعقيدة الكاملة في توحيد الله أوجاء بالعقيدة الكاملة في حقيقة الرسالة والرسول أوجاء بالعقيدة الكاملة في الآخرة والحساب والجزاء .. وهم يقصدون الثناء على الإسلام! .. هؤلاء لا يقرأون القرآن! ولوقرأوه لسمعوا الله تعالى يقرر أن جميع رسله - صلوات الله عليهم وسلامه - جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره .. وأنهم جميعا أخبروا الناس بحقيقة الرسول، وبشريته وأنه لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا يعلم غيبا، ولا يبسط أويقبض رزقا .. وأنهم جميعا أنذروا قومهم بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء .. وأن سائر حقائق العقيدة الإسلامية الأساسية جاء بها كل رسول .. وصدق الكتاب الأخير ما جاءت به الكتب قبله .. إنما تلك الأقوال أثر من آثار
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 2768]