فهمُه أوالعملُ به، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (17) سورة القمر.
وهذا هوالقرآن حاضرا، سهل التناول، ميسر الإدراك، فيه جاذبية ليقرأ ويتدبر. فيه جاذبية الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة، واستجاشة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد. وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنسا. [1]
والقرآنُ معجزةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلواجتمعتِ الدنيا بأسرِها على أن تأتي َ بمثل ما جاء به في القرآن الكريم لأعجزَهم ذلك، فهو {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) سورة فصلت.
وأنى للباطل أن يدخل على هذا الكتاب. وهوصادر من الله الحق. يصدع بالحق. ويتصل بالحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض؟
وأنى يأتيه الباطل وهوعزيز. محفوظ بأمر الله الذي تكفل بحفظه فقال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» . والمتدبر لهذا القرآن يجد فيه ذلك الحق الذي نزل به، والذي نزل ليقره. يجده في روحه ويجده في نصه. يجده في بساطة ويسر. حقا مطمئنا فطريا، يخاطب أعماق الفطرة، ويطبعها ويؤثر فيها التأثير العجيب. وهو «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» .. والحكمة ظاهرة في بنائه، وفي توجيهه، وفي طريقة نزوله، وفي علاجه للقلب البشري من أقصر طريق. والله الذي نزله خليق بالحمد. وفي القرآن ما يستجيش القلب لحمده الكثير. ثم يربط السياق بين القرآن وسائر الوحي قبله وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائر الرسل قبله. ويجمع أسرة النبوة كلها في ندوة واحدة تتلقى من ربها حديثا واحدا، ترتبط به أرواحها وقلوبها، وتتصل به طريقها ودعوتها ويحس المسلم الأخير أنه فرع من شجرة وارفة عميقة الجذور، وعضومن أسرة عريقة قديمة التاريخ: «ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ. إِنَّ رَبَّكَ لَذُومَغْفِرَةٍ وَذُوعِقابٍ أَلِيمٍ» ..
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 4282]