وفي المبادئ والنظم والتشريعات لا نجد أبدا ذلك التناسق والتوازن، مع السمووالرفعة التي نجدها في نظام الإسلام ومبادئه وتشريعاته. ولا نجد أبدا ذلك المجتمع الذي أنشأه الإسلام يتكرر لا في زمانه ولا قبل زمانه ولا بعد زمانه في أرض أخرى، بتوازنه وتناسقه ويسر حياته وتناغمها ..
إنه ليس المستوى الحضاري المادي هوالذي يكون عليه الحكم. فالحضارة المادية تنموبنمووسائلها التي ينشئها «العلم» الصاعد .. ولكن ميزان الحياة في فترة من الفترات هوالتناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها .. هوالتوازن الذي ينشىء السعادة والطمأنينة، والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة .. والفترة التي عاشت بالإسلام كاملا لم تبلغها البشرية - بعيدا عن الرسالة - في أي عصر .. والخلخلة وعدم الاتزان هوالطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام مهما التمعت بعض الجوانب ومهما تضخمت بعض الجوانب. فإنما تلتمع لتنطفئ جوانب أخرى. وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى .. والبشرية معها تتأرجح وتحتار وتشقى". [1] "
إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي، وإدراك مدلولاته .. وهذه وظيفته .. ثم هذه هي فرصته في النور والهداية وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف، وسوء الرؤية، ونقص الرؤية، وسوء التقدير، وسوء التدبير.
يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلًّا واحدًا. تجربة بعد تجربة، وحادثة بعد حادثة، وصورة بعد صورة .. حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة، ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما، ويضع على أساسها نظاما، ملحوظا فيه الشمول والتوازن .. ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب، ويغير الأحكام، ويبدل النظام، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل، ويتخبط من
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 1178]