فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 311

شبهة، وينفي كل ريبة، ويسقط كل عذر. ويوحي إلى القلب السليم بالطريق المستقيم. فمن لم يستقم فهو مسؤول عن انحرافه. فقد كان أمامه أن يستقيم.

والواقع أن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق من القوة والعمق والثقل بحيث يصعب على القلب التفلت من ضغطها إلا بجهد متعمد. وبخاصة حين يسمع التوجيه إليها بأسلوب القرآن الموحي الموقظ. وما ينحرف عن طريق الله - بعد ذلك - إلا من يريد أن ينحرف. في غير عذر ولا مبرر!

فإذا سجل عليهم إمكان الهدى، ويسر الاستقامة، عاد لتقرير الحقيقة الكبرى وراء مشيئتهم. حقيقة أن المشيئة الفاعلة من وراء كل شيء هي مشيئة الله سبحانه ..

«وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .. وذلك كي لا يفهموا أن مشيئتهم منفصلة عن المشيئة الكبرى، التي يرجع إليها كل أمر. فإعطاؤهم حرية الاختيار، ويسر الاهتداء، إنما يرجع إلى تلك المشيئة. المحيطة بكل شيء كان أو يكون! وهذه النصوص التي يعقب بها القرآن الكريم عند ذكر مشيئة الخلائق، يراد بها تصحيح التصور الإيماني وشموله للحقيقة الكبيرة: حقيقة أن كل شيء في هذا الوجود مرده إلى مشيئة الله. وأن ما يأذن به للناس من قدرة على الاختيار هو طرف من مشيئة ككل تقدير آخر وتدبير. شأنه شأن ما يأذن به للملائكة من الطاعة المطلقة لما يؤمرون، والقدرة الكاملة على أداء ما يؤمرون. فهو طرف من مشيئته كإعطاء الناس القدرة على اختيار أحد الطريقين بعد التعليم والبيان. ولا بد من إقرار هذه الحقيقة في تصور المؤمنين، ليدركوا ما هو الحق لذاته. وليلتجئوا إلى المشيئة الكبرى يطلبون عندها العون والتوفيق، ويرتبطون بها في كل ما يأخذون وما يدعون في الطريق! [1]

(1) - [في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود ص: 4769]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت