قدر الله لهم أن يفعلوه وأن ما يريده الله هوالذي يكون، وأن كل أمر مرهون بوقته وأجله المرسوم.
إنه الاستسلام المطلق ليد الله تقود خطاهم، وتصرف حركاتهم وهم مطمئنون لليد التي تقودهم، شاعرون معها بالأمن والثقة واليقين، سائرون معها في بساطة ويسر ولين.
وهم - مع هذا - يعملون ما يقدرون عليه، ويبذلون ما يملكون كله، ولا يضيعون وقتا ولا جهدا، ولا يتركون حيلة ولا وسيلة. ثم لا يتكلفون ما لا يطيقون، ولا يحاولون الخروج عن بشريتهم وما فيها من خصائص، ومن ضعف وقوة ولا يدعون ما لا يجدونه في أنفسهم من مشاعر وطاقات، ولا يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ولا أن بقولوا غير ما يفعلون.
وهذا التوازن بين الاستسلام المطلق لقدر الله، والعمل الجاهد بكل ما في الطاقة، والوقوف المطمئن عند ما يستطيعون .. هذا التوازن هوالسمة التي طبعت حياة تلك المجموعة الأولى وميزتها وهي التي أهلتها لحمل أمانة هذه العقيدة الضخمة التي تنوء بها الجبال!
واستقرار ذلك المقوم الأول في أعماق الضمائر هوالذي كفل لتلك الجماعة الأولى تحقيق تلك الخوارق التي حققتها في حياتها الخاصة، وفي حياة المجتمع الإنساني إذ ذاك. وهوالذي جعل خطواتها وحركاتها تتناسق مع دورة الأفلاك، وخطوات الزمان، ولا تحتك بها أوتصطدم، فتتعوق أوتبطئ نتيجة الاحتكاك والاصطدام. وهوالذي بارك تلك الجهود، فإذا هي تثمر ذلك الثمر الحلوالكثير العظيم في فترة قصيرة من الزمان.
ولقد كان ذلك التحول في نفوسهم بحيث تستقيم حركتها مع حركة الوجود، وفق قدر الله المصرف لهذا الوجود .. كان هذا التحول في تلك النفوس هوالمعجزة الكبرى التي لا يقدر عليها بشر إنما تتم بإرادة الله المباشرة التي أنشأت الأرض والسماوات، والكواكب والأفلاك ونسقت بين خطاها ودوراتها ذلك التنسيق الإلهي الخاص.
وإلى هذه الحقيقة تشير هذه الآيات الكثيرة في القرآن .. حيث يقول الله تبارك وتعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .. أويقول: «لَيْسَ عَلَيْكَ