وإذا كان الشرك بالله مصدر المخاوف والأوهام، فلا غرابة في أن المشركين يعيشون دائما في قلق واضطراب وخوف من مغيبات القدر والمستقبل. أما المؤمنون الموحدون فلهم الأمن المطلق بشرط وجود الوصفين: وهما الإيمان، وهوكمال القوة النظرية، وعدم الإيمان بالظلم، وهوكمال القوة العملية. والمراد من الظلم هنا: هوالشرك لأنه الظلم الأكبر، ولقوله تعالى حكاية عن لقمان، إذ قال لابنه وهويعظه: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ والمراد هنا: الذين آمنوا بالله، ولم يثبتوا لله شريكا في العبادة. [1]
24 -تعترف بالعقل وتحدد مجاله:
فالعقيدة الإسلامية تحترم العقل السوي، وترفع من شأنه، ولا تحجر عليه، ولا تنكر نشاطه، والإسلام لا يرضى من المسلم أن يطفئ نور عقله، ويركن إلى التقليد الأعمى في مسائل الاعتقاد وغيرها، قال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوأَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوالْأَلْبَابِ} [الرعد: 19]
لا يَسْتَوِي المُهْتَدِي مِنَ النَّاسِ، الذِي يَعْلَمُ أَنَّ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ هُوالحَقُّ، الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ، مَعَ الضَّالِّ، الذِي لاَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، لأنَّهُ يَكُونُ كَالأَعْمَى لاَ يَهْتَدِي إِلَى خَيْرٍ، وَلاَ يَفْهَمُهُ، وَلَوفَهِمَهُ مَا انْقَادَ إِلَيْهِ، وَلاَ صَدَّقَ بِهِ وَلاَ انْتَفَعَ.؟ فَالذِينَ يَتَّعِظُونَ وَيَعْتَبِرُونَ هُمْ أَصْحَابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَالبَصَائِرِ المُدْرِكَةِ (أُولُوالأَلْبَابِ) [2] .
فالعمى وحده هوالذي ينشئ الجهل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة التي لا تخفى إلا على أعمى. والناس إزاء هذه الحقيقة الكبيرة صنفان: مبصرون فهم يعلمون، وعمي فهم لا يعلمون! والعمى عمى البصيرة، وانطماس المدارك، واستغلاق القلوب، وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح، وانفصالها عن مصدر الإشعاع .. «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» .. الذين لهم عقول وقلوب مدركة تذكر بالحقّ فتتذكر، وتنبه إلى دلائله فتتفكر [3] .
25 -تعترف بالعواطف الإنسانية، وتوجهها الوجهة الصحيحة:
(1) - التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج ج 7، ص: 275
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد [ص 1727]
(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 2695]