الصفحة 22 من 29

وإذا كان الأنبياء يخاطبون أقوامهم بهذه اللهجة القوية وهذا الخطاب الحاد فمن البعيد أن تكون أخوتهم لأقوامهم المذكورة في الآيات أخوة مودة ورحمة ورابطة، بل هي مجرد نسبة للغرض الذي ذكرنا.

ومعلوم أن كل هؤلاء الأنبياء الذين حكى القرآن أخبارهم كانوا عرضة للتكذيب والسخرية والاستهزاء من قومهم وتهديدهم والنيل منهم أحيانا ومن أمثلة ذالك:

قوله تعالى حكاية عن قوم نوح:

- {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116]

- {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود: 38]

وقال حكاية عن قوم لوط:

{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167]

وقال حكاية عن قوم شعيب:

- {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91]

- {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88]

وقال حكاية عن قوم هود:

{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] .

فهذه النصوص كلها تدل على أن علاقة هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم لم تكن قائمة على الأخوة والمحبة والمودة.

وبهذا يظهر أن الاستدلال بمثل قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} على مشروعية الأخوة مع الكفار استدلال في غير محله ..

فغاية ما تدل عليه هذه النصوص أنه يجوز للمسلم أن ينسب نفسه إلى قومه الكافرين كالقبيلة ونحوها لغرض التعريف والتمييز وبيان حقيقة النسب أو لأي موجب شرعي آخر، إن كان ذالك لا يقتضي توليهم أو محبتهم أو التودد إليهم.

أما مخاطبة قومه الكافرين بالإخوة بأن يقول في خطابه لهم:"يا إخوتي"فهذا الخطاب لا يحتمل غير التودد وإظهار الميل إليهم وتوليهم ولذا فهو غير مشروع.

فالذي يظهر والله أعلم أن مناداة المخاطب بلفظ الأخ لا تجوز إلا بالنسبة للمسلم أو الأخ من النسب حقيقة كما خاطب إبراهيم أباه قائلا: {يا أبتي ... } .

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين: عن حكم قول: أخي لغير المسلم؟

فأجاب بقوله: أما قول:"يا أخي"لغير المسلم فهذا حرام، ولا يجوز إلا أن يكون أخًا له من النسب أو الرضاع، وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع لم يبق إلا أخوة الدين، والكافر ليس أخًا للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك} اهـ.

وقال أيضا:

(لا يحل للمسلم أن يصف الكافر- أيا كان نوع كفره، سواء كان نصرانيًّا، أم يهوديًّا، أم مجوسيًّا، أم ملحدًا -: لا يجوز له أن يصفه بالأخ أبدًا، فاحذر يا أخي مثل هذا التعبير؛ فإنه لا أخوَّة بين المسلمين وبين الكفار أبدًا، الأخوة هي الأخوة الإيمانية، كما قال الله عز وجل:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) اهـ، من مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين"،، 3/ 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت