إن دعاة الإسلام المعتدل يسعون إلى تكييف الشريعة الإسلامية مع منظومة الأفكار والقيم الغربية حتى تكون منسجمة معها تمام الانسجام ..
ومن الأفكار والقيم الغربية التي يسعى هؤلاء إلى الانسجام معها وعدم مخالفتها فكرة الوطنية ..
فهم يريدون مساواة النصارى بالمسلمين في كل شيء بحجة أنهم مواطنون .. وإخوة في الوطن .. !
وقد زعم القرضاوي أن النصارى في بلاد الإسلام مسلمون بالحضارة والثقافة، وإن كانوا نصارى بالعقيدة والطقوس .. !!
بل صرح بأنهم ليسوا كفارا لأنهم يؤمنون بالله-على حد زعمه-!!
وزعم أن القرآن ركز على مواضع الاتفاق معهم، دون مواضع الخلاف، وقال بأنه يجب احترام ديانتهم، وتهنئتهم بأعيادهم، وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا ..
وتغليبا لرابطة الوطنية على رابطة الدين فقد أفتى القرضاوي المسلمين في جيوش الدول الصليبية بمشروعية المشاركة في قتال المسلمين لئلا يُشك في ولائهم وانتمائهم إلى أوطانهم!!
وادعى محمد سليم العوا عدم وجوب الجزية على غير المسلمين من المواطنين فقال:"إن غير المسلمين من المواطنين الذين يؤدون واجب الجندية؛ ويسهمون في حماية دار الإسلام لا تجب الجزية عليهم"."الأقباط والإسلام" (ص 40) .
وصرح العوا أيضا بأن عقد الذمة لم يعد له وجود، فقال:"إن عقد الذمة الذي بسببه تثور جميع المشاكل انتهى، انتهى العقد وانقضى بموت أطرافه. الدولة الإسلامية احتلت وانهدمت، ولم يعد هناك دولة إسلامية، والأطراف الذين أبرموا هذا العقد لم يعودوا موجودين. والعقد هذا هو كأي عقد في الدنيا إذا مات أطرافه وقضوا انقضى. الآن أصبح الجميع في وضع جديد هو وضع المواطنة"اهـ.
ومعنى كلامه أننا اليوم غير مخاطبين بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .. !
كل هذا التمييع للدين والتنازل عن المسلمات العقدية بحجة استيعاب هؤلاء الكفار، وعملا بمبدأ الأخوة الوطنية .. !
وهذه الأخوة الوطنية التي يتحدثون عنها لا يعنون بها مجرد الأخوة الرمزية بل يقصدون أن تكون الرابطة بين المسلمين والكفار في الوطن الواحد رابطة موالاة تامة.
لذالك يلجؤون إلى تحريف مفهوم الموالاة المحرمة التي نهى الله عنها حتى يتسنى لهم القول بمشروعية موالاة الكفار من المواطنين .. !
وفي ذالك يقول محمد سليم العوا:"فالنهي ليس عن اتخاذ المخالفين في الدين أولياء بوصفهم شركاء وطن أو جيران دار أو زملاء حياة، وإنما هو عن توليهم بوصفهم جماعة معادية للمسلمين تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به قوى المناوءة للمسلمين، والمحادة لله ورسوله""الأقباط والإسلام" (ص 33) .
فهو يدعي بأن العلة في حرمة موالاة الكفار هي محاربتهم للمسلمين لا مجرد كفرهم!
وقد علل الله تعالى وجوب معاداة الكفار وحرمة موالاتهم بقوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1]
يقول ابن جرير الطبري:
( {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} يقول: وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحق، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله على رسوله.) تفسير الطبري (22/ 558) .
و تكريسا أيضا لمبدأ الأخوة الوطنية يقول ما يسمى بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:
"وقد يتحرّج بعض المسلمين من اعتبار غير المسلمين إخوانًا لهم، وإذا استعمل البعض كلمة (إخواننا النصارى) ، ترى الكثير من الشباب المسلم يهيج ويثور قائلًا: كيف تسمّون النصارى إخوانًا لنا والله عزّ وجلّ يقول: {إنّما المؤمنون إخوة} ."
إنهم يفهمون من هذه الآية أنّ الأخوّة محصورة بين المؤمنين، ولا يمكن أن تشمل غيرهم، وهذا ليس صحيحًا، للأدلّة التالية:
1.لقد وصف الله عزّ وجلّ الأنبياء بأنهم إخوة لأقوامهم الكفّار. قال تعالى:
- {وإلى عادٍ أخاهم هودًا} .
- {وإلى مدين أخاهم شعيبًا} .
- {وإلى ثمود أخاهم صالحًا} .
وقال تعالى: