تقدم في ذكر معاني الأخوة أن من ضمنها النسبة.
وهذا هو المعنى المقصود في قوله تعالى:
- {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65] .
- {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73] .
- {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85] .
فالمراد بالأخوة في الآيات المذكورة إثبات نسبة هؤلاء الأنبياء إلى أقوامهم، وليس المقصود هو تقرير وجود آصرة الأخوة بينهم وبين أقوامهم الكافرين، فهذا المعنى محظور شرعا كما ذكرنا سابقا.
والحكمة في تقرير نسبة الأنبياء إلى أقوامهم الكافرين هو الإخبار بأن الله تعالى بعث إلى كل أمة رسولا منهم كما قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 32] .
وكما أن الله تعالى بعث إلى كل أمة رسولا منهم فقد بعث أيضا في قوم النبي صلى الله عليه وسلم رجلا منهم كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ .. } [الجمعة: 2] .
وفي ذالك رد على المشركين من كفار قريش الذين استنكروا أن يكون الرسول بشرا، وفيه إخبار لهم بأن الله تعالى كان يبعث إلى كل أمة رسولا منها.
قال ابن جرير الطبري:
(القول في تأويل قوله تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} .
يقول تعالى ذكره: أكان عجبا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقاب الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجبوا من وحينا إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
-حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} . وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا} .
-حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: عجبت قريش أن بعث، رجل منهم قال: ومثل ذلك: {وإلى عاد أخاهم هودا} ، {وإلى ثمود أخاهم صالحا} قال الله: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} .) تفسير الطبري (12/ 107) .
أقول: وإذا كانت الحكمة من نسبة الأنبياء في الآيات المذكورة إلى أقوامهم هي ما ذكرنا، فليس في ذالك أي تودد لهم أو تقرب أو إثبات للأخوة معهم.
ولا أدل على ذالك من أنهم كانوا يجابهون أقوامهم بالاستنكار ويصفونهم بما يستحقون من أوصاف، ومن ذالك:
قول صالح لقومه: { .. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] ، { .. فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63] .
وقول هود عليه السلام لقومه: { .. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود: 50] ، { .. وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [الأحقاف: 23] .
وقال نوح أيضا لقومه: { .. وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود: 29] .
وقال لوط لقومه: { .. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] ، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف: 81] ، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 166] ، {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] .
ومن ذالك أيضا قوله تعالى: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} ..
فبالإضافة إلى أن إبراهيم وصف أباه بالضلال فقد خاطبه أيضا باسمه المجرد، وهذا داخل في الغلظة والشدة في القول.
يقول الطاهر بن عاشور:
(فالأظهر أن يكون {آزر} في الآية منادى وأنه مبني على الفتح. ويؤيد ذلك قراءة يعقوب {آزر} مضموما. ويؤيده أيضا ما روي:"أن ابن عباس قرأه أإزرـ بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية مكسورة ـ، وروي:"عنه أنه قرأه ـ بفتح الهمزتين ـ وبهذا يكون ذكر اسمه حكاية لخطاب إبراهيم إياه خطاب غلظة، فذلك مقتضي ذكر اسمه العلم.) التحرير والتنوير (6/ 171) .