إذا قلنا بجواز نسبة المسلم إلى قومه الكافرين لأجل التعريف أو بيان علاقته بهم أو أي غرض آخر مشروع كما في قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودًا} .. فهذا الجواز مختص بحالة تسميتهم بأسمائهم العلمية وأوصافهم الذاتية دون الأوصاف المتعلقة بكفرهم وضلالهم، فمثل هذه الأوصاف لا يجوز أن ينتسب إليها المسلم، بل يجب عليه البراءة منها وقطع الصلة بها.
والدليل على ذالك أن الله تعالى لما ذكر قصص الأنبياء في سورة الشعراء نسب جميع الأنبياء إلى أقوامهم الكافرين ولم يقطع هذه النسبة إلا عندما ذكر أصحاب الأيكة، فقال تعالى:
- {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 105، 106] .
- {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 141، 142] .
- {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 123، 124] .
- {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 160، 161] .
- {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 176، 177] .
والسر في ذالك أن أصحاب الأيكة ذكروا بهذا الوصف الذي له علاقة بالشرك، فلم ينسب القرآن شعيبا إليهم، حتى لا يكون في ذالك تقرير نسبته إلى الشرك.
يقول ابن كثير:
(أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيبا من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغَيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} ، لم يقل:"إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} ، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا.) تفسير ابن كثير (6/ 158) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن السبب في عدم نسبة شعيب عليه السلام إلى أصحاب الأيكة هو كونه لا تربطه بهم علاقة نسب وقالوا إن قوم شعيب هم أصحاب مدين، وأصحاب مدين ليسوا هم أصحاب الأيكة ..
ويدل على فساد هذا القول أن الله تعالى في الآيات السابقة ذكر لوطا عليه السلام ونسبه إلى قومه بالصيغة نفسها التي نسب بها نوحا وهودا إلى أقوامهم مع أن قوم لوط يختلفون عنه في النسب فهو ليس منهم ولا من قبيلتهم لأن لوطا من الكلدانيين وقومه أهل سدوم من الكنعانيين.
فلوط هو ابن هاران بن تارح، وأبوه هاران هو أخو نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام.
وإبراهيم الخليل هو إبراهيم ابن تارح والعرب تسميه آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح. ولد سنة 2893 قبل الهجرة، في بلد أور الكلدانيين، ومات في بلاد الكنعانيين.
وإبراهيم لم يؤمن به غيرَ امرأتِه إلا فرد واحد هو لوط ابن أخيه.
فهاجر معه من أور الكلدانيين في العراق، إلى ما وراء الأردن حيث استقر بهما المقام: {فَآمَنَ لَهُ لُوط وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي، إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .. ثم افترقا فارتحل لوط إلى"سدوم"، وهي من شرق الأردن إلى أن أوحي إليه بالخروج منها حين قدر الله خسفها عقابا لأهلها.
فلو كان السبب في عدم نسبة شعيب إلى أصحاب الأيكة هو انتفاء رابطة النسب بينهما لما نسب لوط عليه السلام إلى أهل سدوم.
فلم يبق إلا سبب واحد وهو أن أصحاب الأيكة وصفوا بوصف له علاقة بالشرك فقطع الله نسبة نبيهم إليهم.
وفي هذا دليل على أنه لا تجوز نسبة المسلم إلى أقوامه الموصوفين بوصف كفري فلا يجوز مثلا أن نقول: فلان أخو النصارى أو أخوا اليهود أو أخو الهندوس ..
وإنما تجوز نسبته إليهم إذا ذكروا بأسمائهم العلمية التي لا تحمل دلالات كفرية، فيجوز مثلا أن نقول: عبد الرحمن الأمريكي، ومصطفى الصيني، وعبد الإله الألماني، ونحو ذالك ..
أما قول القائل:"إخوتنا النصارى"فهو لا يخرج عن احتمالين: