الصفحة 25 من 29

فصل في بيان معنى: {أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ..

هؤلاء الذين يدعون إلى الأخوة مع الكفار ومساواتهم بالمسلمين كثيرا ما يستدلون بقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .

وهذه الآية اختلف أهل التفسير فيها فقال بعضهم هي منسوخة، وقال بعضهم هي خاصة، وقال بعضهم هي محكمة.

وفي ذالك يقول القرطبي:

(هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الامر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة: نسختها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وقيل: كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه، قاله الحسن. الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقاله أبو صالح، وقال: هم خزاعة. وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل، فأذن الله في برهم. حكاه بعض المفسرين. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة.) اهـ.

وحتى على القول بأن الآية محكمة غير منسوخة فالمقصود بها أن من كف أذاه عن المسلمين ولم يقاتلهم، ولم يخرجهم من ديارهم؛ يشرع للمسلمين أن يعاملوه بالبر والقسط في التعامل الدنيوي، دون المحبة والمودة القلبية والموالاة العملية.

وهذا مثل قوله تعالى في الأبوين الكافرين: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: 8] .

وقال في الآية الأخرى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]

ولهذا قال الحافظ ابن حجر:

(البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه) فتح الباري (5/ 233) .

وقال الشافعي رحمه الله:

(وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك أنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى من أظهر عليهم بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فنهاهم عن ولايتهم وكان الولاية غير البر والإقساط) أحكام القرآن للشافعي (2/ 193) .

وقال العلامة السعدي: (أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة لا محذور فيها) تفسير السعدي (ص 1016) .

وهذا يعني أنه يشرع التعامل بالبر والقسط مع من يستحقه من الكفار بشرط أن لا يتضمن ذالك مودة أو موالاة أو خضوعا، وقد أشار إلى ذالك القرافي فقال:

(وأما ما أمر به من برهم من غير مودة باطنية فالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ... وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه فإن ذلك من مكارم الأخلاق فجميع ما نفعله معهم من ذلك ينبغي أن يكون من هذا القبيل لا على وجه العزة والجلالة منا ولا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم ... وبالجملة فبرهم والإحسان إليهم مأمور به وودهم وتوليهم منهي عنه فهما قاعدتان إحداهما محرمة والأخرى مأمور بها) أنوار البروق في أنواع الفروق (4/ 400) .

وهذا البر والإحسان والمشروع من التعامل مع أهل العهد والأمان والذمة الذي لا يدخل في الموالاة الممنوعة يتجلى في عدة أمور بينتها النصوص الشرعية من بينها:

1 -الدعاء لهم بالهداية إلى الإسلام، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد دوسا وأت بهم) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت