الصفحة 24 من 29

-قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18] .

وهذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين كانوا يخذلون إخوانهم في النسب من المسلمين عن القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم.

ومع اختلافهم في الدين فقد اثبت الله تعالى ما بينهم من علاقة النسب.

قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية:

(- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم} . إلى آخر الآية، قال: هذا يوم الأحزاب، انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلى هذا، فقد بلغ بك وبصاحبك، والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا، فقال: كذبت والذي يحلف به، قال، وكان أخاه من أبيه وأمه: أما والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك، قال: وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره؛ قال: فوجده قد نزل جبرائيل عليه السلام بخبره {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا} .) تفسير الطبري (19/ 51) .

وأما قوله تعالى في شأن ابن نوح: {إنه ليس من أهلك إنه عَمِل غيرَ صالح} فليس معناه نفي علاقة النسب بينهما وإنما المقصود نفي أن يكون هذا الإبن من أهل نوح الذين وعده الله بنجاتهم وهم أهل دينه الذين تربطه بهم رابطة الأخوة الدينية والموالاة.

ولهذا قال تعالى: {ونادى نوح ابنه} فأثبت نسبته إلى نوح.

وقد ذكرنا سابقا قول القرطبي:

(وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك، فهو على حذف مضاف، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب.) تفسير القرطبي (9/ 46)

وبهذا يتبين أن الاستدلال بالنصوص التي أثبتت أخوة نسب المسلم مع قرابته الكافرين على مشروعية الأخوة مع الكافرين بشكل عام غير سديد لأنه استدلال بالخاص على العام.

وقد قلنا أنه ينبغي التمييز بين الأخوة الحسية"أخوة النسب"والأخوة المعنوية"أخوة الرابطة"..

فالأخوة الحسية المجردة عن الأخوة الدينية وإن كانت أخوة ناقصة إلا أنها ثابتة من الناحية الشرعية وغير ملغاة بشكل كلي بدليل عدم انتفاء المحرمية مع الأخوات من النسب المشركات.

لكنها -أي الأخوة الحسية المجردة عن الأخوة الدينية-لا تقتضي المودة ولا المحبة ولا الموالاة.

أما الأخوة المعنوية فهي أخوة لم تثبت من جهة النسب إلا أنها تقتضي المحبة والموالاة والنصرة وهي من الناحية الشرعية محصورة في الأخوة الدينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت