- {إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون؟} .
- {إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتّقون؟} .
- {إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون؟} .
هؤلاء الأنبياء: نوح وهود وصالح وشعيب، اعتبرهم الله إخوانًا لأقوامهم، فهذا تصريح من القرآن بوجود أخوّة قوميّة رغم اختلاف الدين.
2.وقد أبقى الله تعالى وصف الأخوّة حتّى مع الإنسان الكافر المحارب، وذلك في قوله تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .. } . فالأخوّة الإنسانية موجودة، والأخوّة القومية موجودة، والأخوّة النسبية موجودة، وقد يكون معها أخوّة الإسلام فتزداد قوّة ومتانة، وقد لا يكون معها أخوّة إسلامية، فتبقى كل أنواع هذه الأخوّة إلى جانب بعضها، وعند التعارض يغلّب المسلم أخوّته الإسلامية على كل ما عداها.
أمّا الآية الكريمة {إنّما المؤمنون إخوة} فمعناها أنّ العلاقة بين المؤمنين لا يمكن أن تكون إلاّ علاقة أخوّة في الله، ولكنها لا تحصر الأخوّة فقط بين المؤمنين. إذ الأخوّة قد يكون لها سبب آخر بين المؤمنين وغير المؤمنين، فقد تكون أخوّة قومية أو أخوّة بشرية أو قد تكون صداقة مبنية على المصالح المشروعة.
ومن جهة أخرى فقد تكون العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين حربًا أو عداوة أو أحقادًا، أمّا بين المسلمين فالعلاقة ينبغي أن تكون دائمًا قائمة على الأخوّة في الله.
إذا نظرنا إلى هذه الآية في ضوء الآيات الأخرى، فإننا نتوصّل إلى النتيجة التالية: أنّ كل هذه الروابط البشرية روابط فطرية، غير أنّ أقوى رابطة تربطني ببشر هي رابطة الأخوّة في الله، وهذه لا يمكن التنازل عنها أو التفريط فيها أو الاستحياء منها.
لكن هذه الرابطة القوية ليست وحيدة ولا تمنع أن يكون بيني وبين غير المسلمين أخوّة من نوع آخر، أقدّر فيها القرابة النسبية أو القومية أو الإنسانية، فهذه لها قدرها وتلك لها قدرها، والذي يغلّب واحدة على أخرى عند التعارض أمر الله تعالى وشريعته"اهـ."
وردا على هؤلاء نقول:
قولهم بأنه"لا يمتنع أن يكون بين المسلم وبين غير المسلمين أخوّة من نوع آخر"فهذا الكلام فيه تضييع لعقيدة الولاء والبراء وتمييع لها كما ذكرنا سابقا.
وأمّا قولهم أن الآية الكريمة {إنّما المؤمنون إخوة} لم تحصر الأخوّة فقط بين المؤمنين. فيبين فساده قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتَوْا الزَّكَاة فَإِخْوَانكُمْ فِي الدِّين} .فلا تثبت للكفار أخوة إلا بعد التوبة والإسلام.
وكذالك قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] .
وقد ذكرنا سابقا قول العلامة السعدي:
(فأداة الحصر في قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم.) تفسير السعدي (ص: 236) .
ولا شك أن الأخوة المعنوية داخلة في الولاية وبانتفاء الولاية تنتفي الأخوة ..
فالأخوة قسمان:
1 -أخوة حسية وهي الأخوة من النسب، وهذه الأخوة ثابتة سواء وجدت الموالاة والمحبة أم لم توجد.
2 -أخوة معنوية، وهي رابطة تقتضي المحبة والنصح والموالاة و إن لم توجد علاقة نسب وقرابة، وقد قيل في المثل العربي: رُبَّ أخ لك لم تلده أمك.
وثمرة هذه الأخوة هي وجود الموالاة والمحبة، بل لا يتحقق وجودها إلا مع وجود الموالاة والمحبة.
فلا معنى لوجود الأخوة المعنوية إن لم يكن معها ولاية ومحبة ونصرة.
كما قال ربيعة بن مقروم:
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا ...
إذا حاربت حارب من تعادى ... وزاد سلاحه منك اقترابا
وكما قال ابن رجب:
(فإذا كان المؤمنون إخوة أمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها ونهوا عما يوجب تنافر القلوب واختلافها وهذا من ذلك وأيضا فإن الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع ويكف عنه الضرر) جامع العلوم والحكم (ص: 332) .
ولهذا علل الله تعالى ضرورة الصلح بين المؤمنين بكونهم إخوة فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10] .
وقال في تعليل حفظ حقوق المسلمين:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره"..