الصفحة 14 من 29

والأخوة المعنوية تستلزم بالضرورة إظهار المودة والمحبة والانبساط في الخلق واللين في القول وعدم وجود الحقد أو البغض.

ولهذا قال تعالى في وصف أهل الجنة: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] ، فلما زال ما في صدورهم من الغل استحقوا أن يوصفوا بالإخوة، إذا لا أخوة مع وجود الغل والبغض، كما قال أبو فراس الحمداني:

وَمَا أخُوكَ الذي يَدْنُو بِهِ نَسَبٌ ... لكنْ أخوكَ الذي تصفو ضمائرهُ

ولما كانت المودة بالنسبة للمسلمين ملازمة للإسلام توجد بوجوده وتنتفي بانتفائه فقد أخبر الله تعالى عن وقوع إسلام بعض الكفار بوقوع المودة معهم، من باب الإخبار عن الشيء بلازمه، أو الإخبار عن السبب بوقوع المسبَّب، وذالك في قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} [الممتحنة:7] ،

قال ابن جزي في تفسير هذه الآية:

(لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم فامتثلوا ذلك على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة، فعلم الله صدقهم فآنسهم بهذه الآية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة، وهذه المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ص: 2371) .

وقال ابن جرير:

(يقول تعالى ذكره: عسى الله أيها المؤمنون أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من أعدائي من مشركي قريش مودة، ففعل الله ذلك بهم، بأن أسلم كثير منهم، فصاروا لهم أولياء وأضرابا .... قال ابن زيد، في قوله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} قال: هؤلاء المشركون قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودة حين كان الإسلام حين الفتح.) تفسير الطبري (22/ 570) .

أما قولهم:"فالأخوّة الإنسانية موجودة، والأخوّة القومية موجودة، والأخوّة النسبية موجودة، وقد يكون معها أخوّة الإسلام فتزداد قوّة ومتانة، وقد لا يكون معها أخوّة إسلامية، فتبقى كل أنواع هذه الأخوّة إلى جانب بعضها"..

فهذا كلام في غاية السقوط لأن الأخوة الإسلامية لن يكون لها حقيقة على أرض الواقع إلا عندما تقضي على سائر الروابط وتذيبها ..

الأخوة والتولي والمحبة إما ان تكون على أساس الدين فتكون الرابطة إسلامية، وإما أن تكون على أساس الروابط الأخرى فتكون الرابطة غير إسلامية.

إن هذا الخطاب اللين مع الكفار والمداهنة في الدين ليس من قبيل الرحمة والعطف بل هو ضعف وذلة ..

وأصحابه يحاولون أن يصنعوا للإسلام صورة وردية أكثر جمالا من عهد النبي صلى الله عليه وسلم!!

نحن لسنا أرق أفئدة ولا أرقى خلقا من النبي صلى الله عليه وسلم .. فقد كان أهل الذمة يعيشون معه في المدينة وكان يلزمهم بما يجب عليهم ويفي لهم بالحقوق التي أوجب الله لهم، ولكن لم يصل الأمر إلى تسويتهم بالمسلمين أو جعلهم إخوة في الوطن.

بل حذر من بدئهم بالسلام وقال"إذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه".

وأمر الله تعالى بأخذ الجزية منهم وهم صاغرون.

و حذر الله تعالى من اتخاذهم بطانة فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] .

ومن ما أقرته الشريعة من استعلاء المسلم على الكافر ولو كان ذميا: حرمة زواج الكافر بالمسلمة لقوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} ، ولقوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] .

قال القرطبي: (وأجمعت الامة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام) .

لكن دعاة الوطنية والمروجين للقيم والأفكار الغربية لا يستسيغون أن يكون منع المسلمة من الزواج بالكافر، فيه استعلاء على الأديان الباطلة، لذالك يلجؤون إلى تعليل هذا المنع بعلل أخرى لا تتناقض مع أطروحاتهم المنحرفة .. !

ومن ذالك قول محمد سليم العوا:"منع زواجهم من نسائنا اتخذ برا ورأفة بهم؛ لأن زوج المرأة واجبه أن يأخذها إلى مكان عبادتها .. فبرا به ورأفة ورحمة منعه الله من زواجها".. !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت