الصفحة 15 من 29

إن من الأمراض التي ابتلي بها المسلمون في هذا الزمان المداهنة في الدين و الركون إلى الكافرين بحجة السماحة في الدعوة واللين في الخطاب ..

والبعض يظن أن العمل بمقتضيات الولاء والبراء سبب في تنفير الناس من دين الله عز وجل ..

وهذا يعني بالنسبة له أن"الولاء والبراء"متناقض مع أمر الله به من"الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة".. !

ولا والله ما في أوامر الله تناقض .. بل إن"الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة"لا تتحقق إلا مع وجود"الولاء والبراء".

وبيان ذالك أن خضوع المسلم للكافر وانكساره بين يديه يشعر هذا الكافر بنوع من الاعتزاز بنفسه والثقة في دينه الباطل بل ربما غلب على ظنه أنه هو الحق ولا حق غيره .. !

وبهذا يكون هؤلاء المنكسرون أمام الكفار فتنة لهم وسببا في ضلالهم.

وقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين في دعائهم: {رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . ورد في تفسير هذه الآية عن مجاهد والضحاك أن معناها: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.

وقال قتادة: لا تُظْهِرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه.

والذي يظهر من خلال ظاهر اللفظ أن المقصود هو مطلق الفتنة وأن لا يكون المسلمون سببا في فتنة الكفار بأي وجه من الوجوه.

لأن مهمة المسلمين هي التسبب في هداية الناس وليس التسبب في إضلالهم.

وأما سياق الآية فهو يدل بدلالة الاقتران على أن الفتنة المذكورة قد يكون المقصود بها ما ذكرنا من التودد للكافرين لأنه قد يكون سببا في استعلائهم على المسلمين وعدم قبول الإسلام، وذالك أن الله تعالى قال في بداية الآية: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة: 4، 5] .

فلما ذكر الله تعالى هذا الدعاء بعد ذكر براءة إبراهيم من قومه واعتزاله لهم دل ذالك على أن عدم البراءة منهم والركون لهم قد يكون فتنة لهم .. والواقع يشهد لصحة ذالك.

إن هذه الأخوة المزعومة بين الكفار والمسلمين لا تعتمد على أسس شرعية بل هي تكريس للقيم والمفاهيم الغربية.

والحق أن الإسلام لا يقر من الأخوة إلا أخوة الدين أو أخوة النسب، غير أن الأخوة في الدين أخوة كاملة والأخوة في النسب وحده أخوة ناقصة.

أما الأخوة في الوطن فهي من تخرصات الأفكار ومبتدعات الضلال.

لقد نجح النصارى من خلال نشر العصبية الوطنية في أن تكون لهم اليد الطولى في بلاد المسلمين وان يتحكموا فيها ويسودوا ..

فتمكنوا من إفساد عقائد المسلمين وإبعادهم عن دينهم ونشر الكثير من المنكرات الظاهرة كالسفور والاختلاط وشرب الخمور.

ونجحوا في الترويج للأفكار المنحرفة كحرية المرأة والعلمانية والديمقراطية وعملوا على تكريس القوانين الوضعية وتنحية الشريعة الإسلامية.

وكانوا يستغلون فكرة القومية والوطنية لشن الحرب على الدين، وعلى كل من يدعو إليه أو يوالي أو يعادي فيه.

وإنك لتجد أن الشعارات التي كانوا يرفعونها باسم الوطنية كلها تدعوا إلى هدم الإسلام وجعل الرابطة الوطنية بديلا عن الرابطة الدينية ..

يقول أحدهم: سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم

ويقول آخر: بلادك قدمها على كل ملةٍ ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صُمِ

ويقول آخر: ويا وطني جعلت هواك دينًا ... أعيش على شعائره أمينًا

ويقول آخر: وطني لو صوروه لي وثنًا ... لهممت ألثم ذلك الوثنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت