وقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] .
وكان المهاجرون في صدر الإسلام يتوارثون مع الأنصار، وأنزل الله في ذالك قوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} ، حتى نسخت بقوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} .
قال ابن جرير في تفسيره:
(حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} يعني في الميراث. جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك، حتى أنزل الله هذه الآية: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} في الميراث، فنسخت التي قبلها، وصار الميراث لذوي الأرحام.) تفسير ابن جرير (11/ 289) .
وتجسيدا لهذه الأخوة الإيمانية فقد كان المسلمون يقدمونها على أخوة النسب فيوالون إخوانهم المسلمين كل الولاء، ويبغضون الكفار وإن كانوا إخوة أشقاء .. !
قال ابن إسحاق:
(وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى، قال أبو عزيز: مر بى أخى مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرنى فقال: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ... قال له أبو عزيز: يا أخى هذه وصاتك بى! فقال له مصعب: إنه أخى دونك.) السيرة النبوية لابن كثير (2/ 475) .
وفي هذا دليل على أن المسلم يعتبر في الحقيقة الشرعية أخا لكل مسلم.
ولهذا لو أن رجلا أقسم ليُطعِمَنّ أخاه ولم تكن له نية في تحديد نوعية أخوته فلا تبرأ ذمته إلا بإطعام المسلم، ولا يجزئه إطعام أخيه من النسب إذا كان كافرا.
لأن الأخ من النسب الكافر أخ في الحقيقة اللغوية، والمسلم أخ في الحقيقة الشرعية ..
والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية، وهو الصحيح، خلافا لأبي حنيفة في تقديم الحقيقة اللغوية.
وأشار إلى هذه المسألة صاحب «مراقي السعود» بقوله:
واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي ...
فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب
أما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات في قوله إنه سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقوله: عن سارة زوجته هي أختي» ، فليس ذالك كذبا على الحقيقة، بل هو كذب باعتبار فهم السامع، وهكذا كل تورية فهي صدق بالنسبة لمقصود المتكلم وكذب بالنسبة لفهم السامع، والتورية لا تدخل في الكذب المحرم لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استعمالها.
قال النووي:
(وأما قوله صلى الله عليه وسلم"ثنتين في ذات الله تعالى وواحدة في شأن سارة"فمعناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين: أحدهما أنه ورى بها، فقال في سارة: أختي في الإسلام، وهو صحيح في باطن الأمر .. ) شرح النووي على مسلم (8/ 100) .
ويشهد لذالك حديث سويد بن حنظلة رضي الله عنه قال: خرجنا نريد رسول الله ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخى فخلى سبيله فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخى قال «صدقت المسلم أخو المسلم» .وفي لفظ:"أنت أبرهم وأصدقهم وصدقت المسلم أخو المسلم".
رواه أبو داود و ابن ماجة وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي.
قال الشوكاني تعليقا على هذا الحديث:"ويبر الحالف إذا حلف أن هذا المسلم أخوه، ولاسيما إذا كان في ذلك قربة كما في حديث الباب، ولهذا استحسن ذلك"اهـ.