الْعَبْد الْمُطِيع بِصِفَة دَائِمَة قَد يَغْتَر، وَيَقُوْل الْحَمْد لِلَّه أَنَا أعمل كِل شَيْء، أَتَصَدَّق وَأَحْج كُل سَنَة وَأَعْتَمِر وَأَزْوَج الْشَبَاب، وَأَرْصُف الْطُّرُق، وَأَعْمَل مُسْتَشْفَيَات، وَأَعْمَل غَيَّر ذَلِك، هَل هُنَاك مِثْلِي الْحَمْد لِلَّه، وَيُقَبِّل يَدَه ظَهْرًا وَبَاطِنًا، أَنَا هَكَذَا مِائَة بِالْمِائَة، فَلَا يَزَال يَغْتَر بِأَنَّه لَم يَعْصِ الْلَّه- عَز وَجَل- حَتَّى يَدْخُل الْنَّار بِالْطَّاعَة الَّتِي اغْتَر بِهَا بِخِلَاف الْآَخَر.
إِذًا: عَلَى كُل دَاع إِلَى الْلَّه- سُبْحَانَه وَتَعَالَى- وَهُو يُخَاطِب الْنَّاس فِي مَوَاطِن الْإِجْمَال لَابُد أَن يَفْصِل، فَلَا تَحْقِرَن إِذًا عَمَلًا، طَالَمَا أننا كُلُّنَا عُصَاة لَا تَحْقِرَن مِن الْمَعْرُوْف شَيْئًا، لِأَنَّك لَا تَدْرِي هَذَا الْمَعْرُوْف رُبمَا كَان سَبَبًا فِي نَجَاتِك وَلَو كَان قَلِيْلًا.
أَبُو مُوْسَى الْأَشْعَرِي و صَاحِب الْرَّغِيف.
وَهُنَاك قِصَّة صَحِيْحَة عَن أَبِي مُوْسَى الْأَشْعَرِي- رَضِي الْلَّه عَنْه- رَوَاهَا بْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرُه بِإِسْنَاد صَحِيْح، وَأَبُو مُوْسَى الْأَشْعَرِي يَحْتَضَر كَان أَبْنَاؤُه حَوْلَه، فَقَال لَهُم: (يَا بَنِي أُذْكُرُوْا صَاحِب الْرَّغِيف، فَقَالُوَا: يَا أَبَانَا مِن صَاحِب الْرَّغِيف؟) فَحُكِي لَهُم هَذِه الْحِكَايَة.
كَان هُنَاك رَجُل رَاهِب عَبْد الله- عَز وَجَل- سَبْعِيْن سَنَة، وَكَان يَنْزِل عَلَى فَتَرَات إِلَى الْبَلَد، وَأَنْت تَعْرِف الرُّهْبَان اعْتَزَلُوْا الْنَّاس وَعَمِلُوْا صَوَامِع وَكَانُوْا يَحْبِسُون أَنْفُسَهُم فِيْهَا، وَأَنْتُم طَبْعا تَعْرِفُوْن قِصَّة جُرَيْج الْعَابِد، وَكَان لجُرَيْج الْعَابِد صَوْمَعَة، دَوْرَيْن، الدَّوْر الْأَوَّل مُغْلَق لَيْس لَه بَاب وَهُو يَسْكُن فَوْق، فَكَان إِذَا أَرَاد أَن يَنْزِل رَبَط الْحبْل مِن فَوْق وَيَتَدَلَّى عَلَى الْحَبَل وَيَنَزِّل، وَعِنْدَمَا يُرِيْد أَن يصعد