الصفحة 25 من 28

الجواب على هذا الاستدلال:

ويرد على هذا الاستدلال بأنه لا حجة له فيه فإنما يدل على انقطاع عمله بانتهاء حياته، فلا دلالة فيه على أنه لا يصله ثواب عمل غيره سواء كان ابنا أو أبا أو أما أو صديقا أو غيره [1] .

الدليل الثالث:

وهو دليل عقلي فإنه لم يثبت في هذا الفعل نص من كتاب أو سنة بجواز ذلك ومشروعيته، أو أثر صحيح بأن الصحابة فعلوه.

والجواب أولا: قد ورد في معرض بيان رأي ابن القيم رحمه الله تعالى، بالإضافة إلى أن هذا العمل لم يرد فيه نهي حتى يعلم عدم جوازه، وما لم يرد فيه نهي ينظر فيه إلى أصل المشروعية، فهل قراءة القرآن مشروعة أم لا؟ فإذا كانت قراءة القرآن الكريم مشروعة أساسا فلا شك أن لها ثواب وأجر، وإذا فعلها المسلم وأهدى ثوابها لغيره من الأموات فإنه متبرع بما ثبت له من الأجر إلى ذلك المتوفى، وبالتالي فوصول الثواب هذا مقطوع بوصوله إن شاء الله تعالى كما يصل ثواب العبادات الأخرى فلا فرق بين عبادة وأخرى.

ثانيا: أنه ليس بالضرورة أن ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم من الخيرات لا يجوز للمسلمين فعلها، كما أنه ليس بالضرورة أن ما تركه عليه الصلاة والسلام يجب تركه. إنما الذي يجب فعله ما أمر به الله سبحانه وتعالى وما أمر به صلى الله عليه وسلم على جهة الإلزام،، وما يجب تركه هو ما نهى عنه الله سبحانه وتعالى وما نهى عنه عليه الصلاة السلام على جهة التحريم، وأما ما تركه فداخل تحت دائرة العفو والاختيار للمسلمين ما لم يعارض نصا من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حد حدودا فلا تعتدوها و فرض لكم فرائض فلا تضيعوها و حرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فأقبلوا ولا تبحثوا فيها) [2] .

فيستفاد من هذا الحديث أن هناك أمورا سكت عنها الشارع الحكيم، فلا تدخل في الأمور المحرمة المنهي عنها، كما لا تدخل في الأمور الواجبة أو المستحبة، إنما هي داخلة تحت الأمور المباحة، والأمور المباحة منها ما يثاب على فعلها إذا كان فيها نفع للناس، ومنها ما لا ثواب على فعلها ولا عقاب كالأكل والشرب والملابس ونحوها، ومنها ما هو محرم فعلها كوسائل اللهو الحديثة التي تصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.

ثالثا: إن الترك من النبي صلى الله عليه وسلم لا يعد دليل شرعي على نهي أو تحريم، حتى يجب على الناس ترك ما ترك فعله، فلا يدخل تحت دائرة التحريم أو الكراهية، إنما هو عفو، ثم ينظر فيه من جهة هل له أصل في الشرع أم ليس له أصل أو مثل أو شبيه ونحو ذلك للحديث السابق ولقول الله جل جلاله:: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} والله أعلم.

(1) - أنظر المغني: 2/ 225.

(2) - المستدرك: 4/ 129، ح: 7114. سنن الدار قطني: 4/ 182،ح: 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت