تصديقًا بوعده في قوله سبحانه وتعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون وأن جندنا لهم الغالبون} ، وقوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} ، وقوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا} .
وهذا اليقين بنصر الله لا يغشيه عند المؤمن البصير ما يكون للباطل من جولات ينتفش فيها ويزهو، ولا يعكر صفوه ما يصيب أهل الحق من حين لآخر، لأنه علامة من علامات صحة المنهج واستقامة الطريق.
فعن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره: (أن أبا سليمان أخبره: أن هرقل قال له: سألتك كيف كان قتالكم إياه فزعمت أن الحرب سجال ودول فكذلك الرسل تبتلى ثم يكون لهم العاقبة) [1] .
والحرب سجال.
قال ابن القيم رحمه الله: (إن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا - أن ينصروا - مرة ويُدال عليهم أخرى لكن يكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المسلمون وغيرهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة. فاقتضت حكمة الله أن يجمع لهم بين الأمرين ... الخ كلامه) [2] .
ويحتاج المجاهد في سيره إلى الزهد في الدنيا:
ومعنى الزهد في الشيء الإعراض عنه لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه.
يقال:"شيء زهيد أي قليل حقير" [3] .
والزهد ثمرة من ثمرات اليقين، وبهما يكون صلاح المسلمين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل) .
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب قول الله تعالى {هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} .
(2) وهو كلام نفيس يراجع في"زاد المعاد"، الجزء الثاني، ص 99، عند كلامه على غزوة أُحد وما فيها من الحكم والفوائد.
(3) جامع العلوم والحكم: ص 434.