قد اخبرنا الله تعالى -انه سخر لسليمان من الجن من (يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب، و قدور راسيات) ؛ و لفظة التماثيل في هذا الخبر غير مقيدة الا بقيد (ما يشاء) أي انهم كانوا يعلمون له ما يشاء، لا ما يشاء، و جلي انه لم يكن يشاء ان يعلموا له النوع الاول من التماثيل (أي تماثيل المتخذين من دون الله، الهة) ؛ و اما غير ذلك فلا دليل على انه انما كان له ان يشاء منه شيئًا دون شيء؛ فلا يجوز ان يقال: انه كان يشاء هذا دون ذلك. بل انه لم يرد فيها شرع ( ... ) من الدين، فيما روي عن رسول الله من الاحاديث -كذلك- ما يدل على التفرقة بين تمثال، و اما التفرقة بين تماثيل ذوات الأنفس و تماثيل غيرها، فانما هو راى مروي عن ابن عباس لا يدل عليه شيء من الاحاديث المرفوعة الصحاح؛ بل ترده العموميات الواردة فيها، و اما قوله -صلى الله و بارك عليه- يقال لهم: احيوا ما خلقتم)، فانه وارد في واقعة خاصة، لا دلالة ليه على التفرقة بين تصاوير ذوات الاستعداد للاحياء و غيرها هذا. و اما القول بان ذلك شرع من قبلنا، و قد جاء فيما شرع لنا فانسخه، فانه قول لا يليق بمن يتحرز ان يكون امرءًا يرمي الكلام على عوارضه؛ فانه ليس من كل شيء يصبح ان يقال فيه ذلك.
بيان ذلك ان هدى الله آيات مبينات لحقائق لابد -في العبودية- من الايمان بها؛ و ترهيب و ترغيب تقوم عليهما تزكية النفس؛ و قواعد كليه للعمل الصالح و حكمة هي الطريقة الووسط لتطبيق تلك الكليات و لقد سبق ذكر ذلك.
فاما القسم الاول فاخباريات في ذكر اسماء الله -تعالى- و صفاته؛ و في بيان حقيقة العلة التي بينه و بين الإنسان و الكون؛ و في الكشف عن حقيقة النفس الإنسانية و ما لها من الخصائص؛ و في تجلية ما لابد من العلم به من خصائص الكون؛ وفي ايضاح الصلة التي بين هذا و تلك، و هذه الحقائق ثابتة غير متطورة؛ فيلزم ان يكون ما بينها من الكلام ثابتًا غير متطور، لا يختلف من شريعة لاخرى الا بالاجمال و التفصيل؛ و ما كان كذلك فلا يقال في شيء منه انه شرع من قبلنا.
و ام الترهيب و الترغيب فما يذكر فيهما من السواي و الحسنى ثابت -كذلك- ثباتًا لا يختلف معه ما يتضمن ذلك من كلام الهه -من شريعة لاخرى الا بالاختصار و التطويل؛ و مثل ذلك لا يقال فيه انه شرع من قبلنا، كذلك.
و كذلك القواعد الكلية المذكورة لا تختلف من شريعة لاخرى و ذلك أن الشرع الشرائع انما هو لمصالح العباد في العاجل و الاجل، و ذلك بحفظ الدّين و النفس و العقل و النسل و المال: يجلب ما هو لها مصالح، و يدرأ ما هو لها مفاسد. و هذه الامور الخمسة لكل منها جهات متعددة ينزل لحفظه من كل جهة منها احكام جزئية قد تختلف من شريعة لاخرى، و من ظرف لاخر في