شريعة واحدة كذلك، و لكنها تتفق في انها يقصد منها في كل حال حفظ ذلك الامر من تلك الجهة؛ فتكون بتطورها هذا خادمة لاصل كلي يتعلق بحفظ ذلك الامر منها.
و الامور الخمسة بجهاتها المتعددة ثابتة في كل زمان و كل مكان، فتكون الاصول المتعلقة بحفظها ثابتة -كذلك- في كل الشرائع، فاصول النظام السياسي -من كون الله هو الحاكم، و كون الإنسان العبد المنفذ لاحكام الله، و غير ذلك- و اصول النظام الاقتصادي -و من كون النعم جميعها مخلوقة للبشر سواء للسائلين، و كون الله -تعالى- هو مالكها و كون الإنسان مستخلفًا فيها مقيدًا بالقيود التي وضعها المالك، و غير ذلك. و اصول النظام الاجتماعي- من كون الناس مشتركين في المخلوقيةى لرب واحد، و كونهم مخلوقين من جنس واحد و حقيقة واحدة، و غير ذلك -مثلًا- اصول ثابتة لاشان لها باختلاف الازمان و الامكنة و الارضاع؛ فلا يتعلق بها نسخ و تبديل؛ فلا يقال في شيء منها شرع من قبلنا.
و اما الحكمة -و هي مجموعة الاحكام التفصيلية التي تهدي الى الصواب في تطبيق القواعد الكلية- فعلى قسمين ثابت و متطور، كما سبق بيانه، فاما الثابت منها، فواضح انه بمنيء عن التطور و الاختلاف من ظرف لاخر في شريعة واحدة كذلك؛ و هو الذي يتعلق به النسخ و التبديل؛ و هو الذي يقال فيه انه شرع من قبلنا فقد يكون حكم امر ما في شريعة اباحة؛ ثم يبدل مكانه في شريعة أخرى تحريم و قد يكون العكس و قد يكون غير ذلك.
فتعليق التمائم و قول اف للوالدين و ايذاء الجاز و سباب المسلم و غير ذلك مما لا ينفكك عن مصلحة او مفسدة في أي ظرف كان، تابى الشرائع أن تأتي فيها الا باحكام ثابتة لا يصح ان يقال في شيء منها انه شرع من قبلنا دوننا و اما طعم لحوم ذوات الاظفار من الحيوان و شحوم البقر و الغنم -مثلًا- و هو امر في اباحته توسعة على الناس في الطيبات كما هو شأن دين الله -ففي ظرف يبغي بنوا اسرائيل فيه و يظلمون مجلبة لمفسدة المد في البغي و الظلم، الذي تستلزمه من التوسعة على الباغين الظالمين؛ و مفيد لمصلحة تذكير المقترفين للبغي و الظلم، الكائن ذلك التذكير في قدر الرزق و تضيقه؛ فحينئذ الحكمة في التحريم ليست الا حتى اذا تغير الظرف، فلم يكن في ذلك جلب لتلك المفسدة و افاتته لتلك المصلحة، كانت الحكمة في تغير الحكم من التحريم الى الاباحة، كما هو شأن الامور التي هي في جلبها للمصالح او درئها للمفاسد تابعة لظروفها.
و اذا تبين الامر فنقول:
ان الاحاديث المروية في التصوير و ما اليها قد ذكرت ان العلة المقتضية للتحريم المضاهات و التشبيه بخلق الله فان زعمنا ان المراد مضاهات المصور و تشبيهه تصويره بخلق الله الذي اخذ التماثيل منه و ظنًا أن هذه هي المفسدة المقتضية للتحريم، فقد قلنا بكون العلة امرًا لازمًا للفعل؛ الامر الذي يستلزم القول بلزوم حكم التحريم للتصوير في كل مكان و زمان و كل