الصفحة 30 من 38

مكان؛ و بلزومه لتصوير غير ذوات الأنفس كلزومه لتصاوير ذوات الأنفس؛ فانه لا يصور المصور حين يصور الا و هو يضاهي و يشبه ما يعمل بخلق الله؛ بل ليس عمله الا ان يشبه ما يعمل بخلق الله، على عهد سليمان كان أم على عهد نوح ام على عهد محمد -عليهم و على آلهم صلوات الله و بركاته- و تشبه تصاوير ذوات الأنفس، بخلاف تصاوير غير ذوات الأنفس بخلق الله، فان القسم الثاني بحاجة، في تمام شبهه بخلق الله -الى ما لا يملكه المصور من الأنفس بخلاف، تصاوير غير ذوات الأنفس؛ فتذكروا يا اولي الالباب!!

و الحاصل ان القول بأن المراد تشبه المصور تصويره بخلق الله يجعل حكم التصوير من القسم اثابت من الحكمة، الذي هو بمناي عن التطور و الاختلاف من ظرف لاخر و من شريعة لاخرى؛ فان ذلك قول بتحريم التصوير لكونه تصوير الصورة و مضاهاتها بخلق الله؛ و هذا امر لا ينفك عن الصور؛ فيلزم أن لا يكون تصوير الصور و اتخاذها الا محرمين، و يستلزم هذا ان يقال بتحريم ما كان يشاء سليمان ان يعمل له من التماثيل، و لا يستقيم القول باختلاف شرع من قبلنا عن شرعنا؛ و مثل هذا يتحاشى عنه كل من هو مؤمن بكتاب الله، غير مفرق بين سليمان و غيره من الرسل -عليهم صلوات الله و بركاته-

فاذا كان قد اتى على صنع التصاوير و اتخاذها حين من الدهر التحريم الوارد في الاحاديث المذكورة ليس متعلقًا بذات الصنع او الاتخاذ، و انما هو لوصف قد يقارن ذلك و قد يفارلقه، فيحرم في الحال الاولى، و لا يحرم في الثانية و الذي يجب علينا بعد ذلك، تأمل الاحاديث و الاجتهاد في فقه عبارة (الذين يضاهون أو يشبهون بخلق الله) . على ان ادراك المراد من ذلك و العثور على علته التحريم ليس بحاجة الى كبير جهد، لمن قد الى على نفسه ان لا يحتج بحديث الا بعد الرجوع الى الاصل المتعلق بموضوعه من كتاب الله؛ فان العبارة قد جاء فيها ذكر المشبه به بلفظة(خلق الله التي تشمل كل مخلوق، حتى التماثيل التي يعملها أصحابها [1] .

فلا يكون المشبه -الذي يجب ان يكون غير المشبه به- الا غير خلق الله، و غير خلق الله خالق الخلق -عز و جل- فيكون المعنى: الذين يضاهون و يشبهون الخالق بخلقه، أي الذين يعملون تماثيل من يدعون من دون الله أو يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله -و هم عالمون بما يفعلون عامدون-، فيشركون بالله بعض خلقه؛ فيضاهون خالق الخلق بخلقه)، و هو الذي (خلق السموات و الارض بالحق؛ تعالى عما يشركون. خلق الإنسان من نطفة؛ فاذا هو خصيم مبين) ؛ و الانعام خلقها؛ و الخيل و البغال و الحمير، و يخلق ما لا تعلمون؛ و على الله قصد السبيل؛ ينبت لكم به الزرع و الزيتون و النخيل و الاعناب و من كل الثمرات؛ و سخر لكم اللّيل و النهار

(1) - يدل على هذا قوله -تعالى- حكاية عن ابراهيم قال: اتعبدون ماتنحتون و الله خلقكم و ما تعملون؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت