اذا اراد المرء أن يصير عالمًا بفن النحو -مثلًا- فان اول ما يجب ان يفعله اخذ صور من مسائل ذلك العلمز و واضح انه عندما يلقي عليه مسألة من تلك المسائل تكون الصورة التي تحصل في نفسه صورة ضعيفة لا تلبث ان تزيل بورود صورة مسألة اخرى عليها، و انما تبقى تلك الصورة في النفس، اذا تكرر القائها عليها بحيث لا يزول اثر التلقى السابق حتى يرى عليه اثر التلقي اللاحق. حتى اذا تكرر ورود تلك الصورة اصطبغت النفس بها و اصبحت هي من اوصافها اللازمة [1] .
و عند ذلك فقط يعد المرء عالمًا بتلك المسألة. و اذا حصلت الملكة فان العمل الذي يقتضيه هي من تذكر المسألة متى شاء، و من تعليمها الأخرين. يصدر من غير تكلف، شأن كل ملكة و خلق.
و اذا اراد أن يصير خياطًا، فان اول ما ينبغي أن يفعله تلقي صور من شؤون فن الخياطة و اعماله، ثم ان يكرر استحضار تلك الصورة و النظر فيها و القيام بما تقتضيه من الاعمال، لترسخ في النفس و تصير من اوصافها اللازمة و ملكاته و عند ذلك فقط يعد المرء خياطًا، و اذا حصلت الملكة فانما تكون مصدر القيام بأعمال الخياطة من غير تكلف.
ثم انه لا يخفي ان لا اعتداء في فني النحو و الخياطة بالصور الحاصلة في النفس و بالاعمال التي تؤدي لترسخ تلك الصور فيها في ذاتها. و انما يعتد بها من حيث كونها مؤدية إلى حصول ملكة علم النحو و ملكة الخياطة في طور التعلم و التدريب من النحاة و الخياطين و ان كانا يقومان بحيث يقتدران على القيام بشؤنهما متى شاءا [2] . و الحاصل ان علم النحو و الخياطة الملكتان المذكورتان، و لا اعتداء بما عدا الملكتين الاتباعها لهما.
و كذلك شأن المتلقي لهدي الله لا اعتداد بما تحصل له من التصورات و المفاهيم الا من حيث كونها مؤدية إلى ملكات طيبة و اخلاق حسنة. و اما علم المفاهيم الدينية بغير حصول الملكات فتصور الامي الملقن لما يقرا. و كذلك الاعمال الصالحة غير الصادرة عن المكات، ما هي الا كقراءة ذلك الامي. بل ان حصول علم التصورات و المعتقدات اللادينية بغير الاداء إلى
(1) - مثل ذلك كمثل التراب يتساقط عليه قطر الماء، فانه لن يبتلي بسقوط قطرة واحدة او سقوط قطران لا تسقط منها واحدة الا بعد ذهاب اثر مسابقتها، و انما يبتل اذا تكرر سقوط القطر عليه بحيث لا يزيل اثر القطرة السابقة حتي تسقط القطرة اللاحقة، فيجتمع بذلك اثار القطرات المتساقطة، فيصبح البلل للتراب صفة ثابتة و صفة دائمة؛ فيكون طينًا.
(2) - يوضح ذلك انه قد يلقن الامي قراءة شيء، فيستحضر صورة ما يقرأ ما يتصور، و لكن حالة تلك تزول بزوال التلقين؛ و لا يزول عنه بعروض تلك الحال اسم الامي. كما انه يعتري المتصف بملكة القراءة حالة مملة يفقد فيها على القراءة، و لكن ذلك لا يسلبه اسم القاريء.