وهناك دليل أشد وضوحًا وهو قول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؟
قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ (البخاري: 3027) (مسلم: 5305)
فهذا المُعذَّب إنما استحق العذاب لأنه كان ينهى عن المنكر ويأتيه، فما هو المنكر؟ إنه الحرام؛ لأن النهي عن المكروه وفعله لا يوجب العذاب؛ لأن فعل المكروه أصلًا لا يوجب العذاب.
ولأن المنكر هو الحرام فلا بد من تغييره قدر الاستطاعة؛ قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ (مسلم: 70)
-تنبيه: لا يعني أن المكروه لا يندرج تحت المنكر أن نترك النصيحة في حقه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104) فالدعوة إلى الخير متضمنة الدعوة إلى ترك المكروه، وكذلك فإن الأمر بالإحسان متضمن النهي عن المكروه.
ولكن هناك فرق بين النصيحة والإرشاد في حق المكروه، وبين إنكار المنكر، فالإرشاد إلى ترك المكروه وفعل المندوب إرشاد إلى الأفضل، وبأسلوب لين وترغيب يناسب هذا المقام، بينما أسلوب إنكار المنكر مختلف، لأن فاعله وقع في معصية.