فإذا حصل المؤثرُ وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجِد الشرط وهو الإصغاء، وانتقى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه الى شئ آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكّر .." [1] "
(( وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدا أحسن صوتًا أو قال: قراءة منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] ، خلت أن فؤادي قد انصدع (صحيح البخاري برقم(765، 4854) وصحيح مسلم برقم (463) .).
وكان جبير لما سمع هذا بعدُ مشركا على دين قومه، وإنما قدم في فداء الأساري بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءَتُه في المشرك المصرِّ على الكفر! وكان هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءة ما كان عن خشوع القلب، كما قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله )) [2]
والمراد من تحسين الصوت بالقرآن تطريبه وتحزينه والتخشع به، والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة.
ونحن إذا قمنا بتنزيل كلام ابن القيم على شعر الشعراء، واسترشدنا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيَّن أن الشعر يُخفق في التأثير أو يقع دون الغاية، إذا تخلف شرط من شروطه الثلاث:
أ/ صفة التأثير في الشعر.
ب/ قبول الْمحَلّ (نفس القارئ وإحساسه) .
(1) ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، الفوائد، تحقيق محمد عزيز شمس، دار عالم الفوائد، ص 03
(2) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الطبعة الثانية (دار طيبة، 1420 هـ - 1999 م) .