الصفحة 25 من 28

الشرط الثالث: صوت المنشد

(( إن الصوت الإنساني هو وحدَه القادر على الإبانة عن المعاني الخفيَّة المستكنَّة في طَوايا النُّفوس أو في أحاديث النُّفوس.

وفي الناس ناسٌ - وقليلٌ ما همْ - قد أجادوا (لغة الصوت) إجادةً بارعةً، وربما سمعتَ أحدَهم وهو يتكلَّم فما يكاد ينطق حرفًا أو حرفين حتى تحسَّ كأنَّ كلَّ معاني نفسه تنسربُ في نفسك واضحةً بيِّنَة، وأنَّك قد عرفتَ منه ما يَكاد يُخفِيه عن الناس جميعًا.

ورُبَّ رجلٍ أو امرأةٍ تسمَعُ كلامَه أو كلامَها وأنت لا تعرف عن أحدِهما شيئًا، فيُخيَّل إليك وأنت تسمَعُ أنَّك قد نفَذتَ على نَبرات هذا الصوت إلى أعمَقِ الأعماق المدفونة في هذه النَّفس الإنسانيَّة التي تُحادِثُك، وهذا شيءٌ لا يكونُ إلا في ذوي النُّفوس الصادقة الصافية البريئة من حشو الحياة وسَفْسافِها، وهذه النُّفوس وحدَها هي القادرةُ على أنْ تجعَلَ الصوت بمجرَّده لغةً مُبينة عن أغمَضِ المعاني التي تَعجِزُ البشَر عن حمْلها وأدائِها )) [1]

وفي مقال عن"الغناء العربي"كتب الأديب المنفلوطي: (( الغناء بقية خواطر النفس التي عجز عن إبرازها اللسان، فأبرزتها الألحان، فهو أفصح الناطقين لسانا، وأوسعهم بيانا، وأسرعهم نفاذا إلى القلوب وامتزاجا بالنفوس، واستيلاء على العقول، وأخذا بمجامع الأفئدة، وبيان ذلك أن النطق ثلاثُ طبقات تختلف درجاتها باختلاف درجات الإبلاغ والتأثير فيها، فأدناها النثر وأوسطها الشعر وأعلاها الغناء. ) ) [2]

إن قارئ الشعر أو منشدَه لم يكن ليهزَّ النفس الإنسانية ويُطربها بصوته إلا بعد أن تَحُلّ المعاني الشعرية من نفسه محلَّ الزبدة من اللبن أو محل الماء من الثلج. فحينها تتحدر الكلمات من فيهِ ممسكة برقاب المعاني الخفية والعواطف الدفينة.

(1) محمود محمد شاكر، مرجع سابق، ص 316 - 317

(2) مصطفى لطفي المنفلوطي، مرجع سابق، ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت