الصفحة 27 من 28

(( وأنت محتاجٌ حِين تسمَعُ(لغة الصوت) أنْ تكون يَقِظَ النَّفس، حَيَّ الإحساس، نَفَّاذًا إلى المعاني المتلفِّعَة بالغُموض، حسنَ التيقُّظ للنَّبرات التي تدلُّ على ضمير اللفظ، سريعَ الخاطر في إدراك هذا الموج المتلاحِق من الحرَكات المختلفة. ))

(( فإذا كان الذي تسمَعُه كلامًا يُتلَى أو يُنشَد كالشعر مثلًا، وكان الذي يُنشِدُه قد عاشَ ساعةً في مَعانِيه حتى تلبَّس بها ونطَق لسانه مُعبِّرًا عن لسانها وعن لسان قائلها الأوَّل، كان عليك أنْ تكون لَيِّنًا، طَيِّعًا، سريعَ التبدُّل، جريءَ النَّفس في غَمرات العَواطف؛ حتى يُتاح لك أنْ تعيشَ أنت نفسُك في هذه المعاني ساعةَ تُتلَى عليك، وعندئذٍ تَغشاك غَمرةٌ لذيذة تدبُّ في غُضون نفسك، فتحسُّ كأنَّك تُبعَثُ بعثًا جديدًا في حياةٍ جديدة حافلة بالصُّور. فإنِ استطعتَ يومًا أنْ تجدَ في نفسك أنَّك مستطيعٌ أن تكون على هذه الصِّفة، فقد فهمتَ الشعر ونفَذتَ إلى أغْواره، وإنْ عجزت عن بَيان ما فيه. ) )

يُتْبِع الأستاذ شاكر كلامه السابق بقوله: (( غير أن هناك ضربا آخر من القراء أو السامعين يكون بليغ الإحساس جيد التلقي، صالحا للتأثر بما يتنقل إليه من هزة الإحساس لكن منطقه العقلي خِلوٌ من اللغة التي يعبر بها الشعر، إذ ليس له منطق عقلي سام متخير للكلام يختزن اللغة لنفسه إذا فكر، ولفهمه إذا حدث أو أنشد، فهو ربما سمع الشعر الجيد فلم يبلغ منه المبلغ الذي أريد له هذا الشعر.

ثم يردف قائلا ـ واصفا حال قُرَّاء الشعر في العصر الحديث ـ:

(( وكثر هؤلاء في عصرنا هذا حتى سقط الشعر ولم يحفل به إلا قليل، وهم لم يكونوا كذلك إلا لفساد التعليم وقلة احتفاله باللغة وبيانها وأسلوب مجازها، ولأن الجهلاء والسخفاء هم سواد الناس، وفساد الطبائع فيهم راجع إلى هذين: فمخالطة الجهالة تورث الجهالة والخبال، وترك التعلم وسوء التعليم ذريعة مفضية إلى الجهل والبلادة، فكيف-مع هذين- يخلص أحدهم من فقر العقل وبلادة التأثر بالشعر البليغ الحافل بالإحساس المشبوب العنيف؟ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت