نقصان. ثم قدرته على نظم هذه المفردات في تراكيب وجمل خالية من التعقيد والحشو ومن سائر عيوب فصاحة الكلام.
ولم يسلم هذا الشرط لكثير من شعراء العصر الحاضر ممن تصدرت أشعارهم صحف المجلات وأبدانهم مجالس الإنشاد. وأترك الكلمة لناقد أدبي عاصر شعراء النهضة الأدبية يصف حالة الشعر وقتئذٍ. (( ولا ينبئك مثل خبير ) )
ففي مقال بعنوان (( الشعر العربي في خمسين سنة ) )انتقد الأديب مصطفى صادق الرافعي شعر الشعراء المحدثين، فبعد أن أشاد بما تزخر به أشعارهم من سعةٍ في المعاني وجموح في الخيال، آخذ عليهم إزراءهم على الفصاحة والبيان، قائلًا:
(( ... لولا ضعف أكثر المحدثين من النشء الجديد في البيان وأساليبه، وبعدهم من ذوق اللغة واعتياصِ مَرامِها عليهم، حتى حسبوا أن الشعر معنى وفكر، وأن كل كلام أدّى المعنى فهو كلام، ولا عليهم من اللغة وصناعتها، والبيان وحقيقته؛ وحتى صرنا والله من بعض الغثاثة والركاكة والاختلال في شرٍّ من توعُّر نظم الجاهلية وجفاء ألفاظه وكزازة معانيه؛ وهل ثم فرق بين أن تنفر النفس من الشعر؛ لأنه وعر الألفاظ عسير الاستخراج شديد التعسف، وبين أن تمجه؛ لأنه ساقط اللفظ، متسول المعنى، مضطرب السياق؟ ثم تراهم ينجزون الشعر كله على اختلاف أغراضه نمطًا واحدًا من تسهيل اللفظ ونزوله، حتى كأن هذه اللغة لا تنوع في ألفاظها وأجراس ألفاظها، مع أن هذا التنوع من أحسن محاسنها وأخص خصائصها دون غيرها من اللغات، كما أن كل تنوع هو من أبدع أسباب الجمال والقوة في كل فن؛ ولا يدري أصحابنا أن كل ذلك من عملهم عبث في عبث إذا هم لم يعطوا الشعر حقه من صناعة اللغة ) ) [1]
(1) الرافعي، مصطفى صادق، وحي القلم، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، ط 1، (بيروت: دار ابن حزم، 1426 هـ- 2005 م) ص 1075.