ببعض المجتمعات الأوربية التي تبدو حياتها في حكم الحياة الجليدية للقطب الشمالي، وفي حدود هذا الانطباع الحاف خارج النص، يبدو الأمر طبيعيا لأننا هنا بصدد لافتة تحيل على حياة إنسانية متجذرة في بيئتها الطبيعية الجليدية.
غير أننا إذا ربطنا هذه اللافتة المشهدية البيئية، بمدار القول القصصي الذي أطرته، سنجد أن الأمر مفارق لذلك تماما، وذلك لأننا هنا لسنا بصدد مقام حال"رجل جليدي"حقيقي يستهوينا فيه استكشاف"المجهول"في عالم جليدي، طريف وغريب عن عالم النور، وإنما نحن هنا بصدد مقام حال"رجل جليدي"هامشي، مزيف، اجتثته نبوءة"الطاعون"من مكامنه، وقذفت به ـ عشوائيا ـ في عالم غريب، تبدو له فيه الحياة قد فقدت مجراها ومعناها، وتحولت إلى شبح جليدي، متصلب، أجوف، يلفظ كيانه العضوي المحسوس ويمعن في مصادرة كينونته المعنوية والروحية، رغم انضباطه في الإقرار بحياة الهامش الذي لا معنى له حتى في هامشيته.
وإذا فهل يمكن أن نفترض أن من بين ما يقترحه علينا عنوان:
"الرجل الجليدي"، هو معاناة رؤية الاغتراب في عالم الغربة، الذي يزداد وقعه، في مجال الكيان المكاني الجليدي المتصلب؟
الأرجح أن ذلك ما تكاملت في تشخيصه والتعبير عن وقعه المنتقيات السردية الآتية:"كانت الغربة قد أتعبته، سنين طوالا يتجول من مدينة إلى أخرى، هذه محطته الأخيرة، مدينة ملعونة بالثلج والبرد واللاشعور، قضى أيامه دون أن يدرك عددها .. أصبح رجلا جليديا بلا أطراف، تجمدت أحاسيسه وعواطفه وشعوره وأحلامه، وقيمه، وأخذ يتحرك، يأكل، ينام، يضاجع، مثل دب"