هذه النبوءة الكاذبة طبيا إلى"تعويذة"يومية مؤسسة لحالات متنوعة للغربة والاغتراب داخل الوطن الموبوء الذي هد كيانه وتشظت كينونته، كما يستشف ذلك من كل الكلمات والجمل والفقرات التي تكاملت في هذه القصة لبناء وحدة الانطباع بوجود مباعث متجذرة للهجرة والترحال والغربة، ومن ثمة لرؤية الاغتراب:"قال الرجل ذو اللحية البيضاء: دعونا نرحل اليوم، لقد أزف موعدنا، ولم يعد لنا رزق، كل الأبواب أغلقت بوجوهنا، وحل الشيطان في كل حواري المدينة، لقد تلبسنا الشيطان، إن الوباء قادم إلى هذه الأرض، طاعون سيحل في كل مكان" (19) ،"تجمع أهل المدينة عند باب بيته، وحملوا جثمانه بخشوع، وقبروه في وسط المدينة، وأصبح قبره مزارا، ونبوءته قصصا طويلة وأساطير تحكى .. أما العجائز فقد كن يقصصن على الصغار كل مساء حكاية العجوز الذي تنبأ بالطاعون" (20) .
إذا كان عنوان"الطاعون"قد رسم إطارا دراميا لمشهد جنائزي عام، ستتولد منه حالات المعاناة العينية، الآنية للغربة والاغتراب، فإن عنوان"الرجل الجليدي"، يقترح علينا نوعا من المعاينة الوجودية لمعاناة الاغتراب في الغربة، باستثمار"وقع"المدرك المكاني، كمعادل لنفي الهوية والكينونة في حالة الانفصال عن الوطن ومحاولة الاتصال به، معا. ولعل أول انطباع فوري، يثيره عنوان"الرجل الجليدي"في المتلقي، يتمثل في الانصراف بخياله إلى البيئة الطبيعية الجليدية، المتصلبة، المعتمة التي ترتبط بالحياة في أقصى القطب الشمالي، أو