لكن رغم ذلك فإن"القصة القصيرة"من بين أكثر الأشكال الأدبية عموما وأشكال القول السردي، خصوصا، قابلية لاقتناص"وقع"الواقع الذي تعيد بناءه على نحو حيوي، مركز ومكثف، يقوم على الاختزال في كل شيء: اختزال اللغة، مادة وأسلوبا ووظيفة، اختزال فضاء المكان والزمن والشخصيات، ثم -نتيجة لكل ذلك - اختزال الموقف والرؤية الفنية المقترحة.
ولعل هذه الخصوصية الجمالية هي التي جعلت منها ـ القصة القصيرة ـ فنا مراوغا، عنيدا، يستهوي الكثير من التجارب الإبداعية المبكرة، ولكنه لا ينقاد بسهولة إلا للتجارب الإبداعية الفذة المؤسسة التي أوتيت موهبة القول مشفوعة بامتلاك أدوات إنجازه. وغالبا ما نجد أن فرسان القول الذين ثبتوا في هذا المجال وصاروا محل احتكام فيه، هم أولئك المبدعين الذين استطاعوا أن يتمثلوا ويمثلوا أخص الخصائص الجمالية التي تواترت في الشعر والموسيقى وفي مختلف الفنون المكانية، البصرية كالرسم والنحت، وعرفت بها القصة القصيرة باسم:"وحدة الانطباع"، كما ورد ذلك في أشهر تعريف لأحد أبرز معالم الأدب الأمريكي الحديث، وأحد أبرز الأصوات المنفردة في القصة القصيرة (إدجار آلان بو) (5) (Edgar Allan Poe) (1949 - 1809) ، حيث يقول: (( هذا فنان حاذق قد بنى قصة. إذا كان حكيما فإنه لا يشكل أفكاره لتتفق مع حوادثه، بل يبدأ بتصور تأثير واحد معين يريد أن يحدثه، ثم يأخذ في اختراع هذه الحوادث، وربط ما يساعده منها على إيجاد هذا التأثير الذي تصوره سلفا .. وينبغي ألا تكون في العمل كله كلمة واحدة لا تخضع مباشرة أو بطريق غير مباشر"للتصميم الواحد السابق") ) (6) .