وما ينطبق على حياتنا اليومية، يصح على المستويات العليا في الحكم، فالحفاظ على أمن أميركا وقوتها وازدهارها يقدم سلسلة لا متناهية من الخيارات، يترافق الكثير منها مع معلومات ناقصة وضرورات متضاربة. ولعل المثال الأبرز من الأعوام الأربعة التي توليت فيها وزارة الخارجية، قرار الرئيس أوباما إرسال فريق من البحرية في ليلة باكستانية مظلمة، لجلب أسامة بن لادن إلى العدالة. انقسم كبار مستشاري الرئيس، كانت الاستخبارات مقنعة، وإنما غير نهائية، وعواقب الفشل شاقة، والمخاطر كبيرة على الأمن القومي الأميركي، ومعركتنا ضد تنظيم القاعدة، وعلاقتنا مع باكستان. وأهم من ذلك كله، حيوات هؤلاء البحارة الشجعان وطياري الهليكوبتر التي أصبحت على المحك. كان ذلك عرضا للقيادة جازما وشجاعا، وهو ما لم أشهده يوما.
يتناول هذا الكتاب الخيارات التي قمت بها كوزيرة للخارجية، وتلك التي قام بها الرئيس أوباما وغيره من القادة في العالم، ثمة فصول تتصدى للأحداث التي تصدرت عناوين الصحف، وأخرى للاتجاهات التي ستستمر في تعريف عالمنا إلى الأجيال المقبلة.
غني عن القول إن عددا قليلا من الخيارات المهمة، والشخصيات، والبلدان والأحداث غير مدرجة هنا، كنت سأحتاج إلى المزيد من الصفحات لمنحها المساحة التي تستحق. يمكنني ملء کتاب کامل، فقط لشكر الزملاء الموهوبين والمتفانين الذين اعتمدت عليهم في وزارة الخارجية فأنا أدين لهم بالكثير لخدمتهم وصداقتهم.
كوزيرة للخارجية، ارتأيت تقسيم الخيارات والتحديات التي تواجهنا فئات ثلاثا: المشكلات التي ورثناها، ومنها حربان وأزمة مالية عالمية الجديدة منها، وهي غالبا أحداث غير متوقعة وتهديدات ناشئة، من رمال الشرق الأوسط المتحركة إلى مياه المحيط الهادئ الهائجة، فإلى مناطق الفضاء الإلكتروني المجهولة؛ والفرص التي يقدمها عالم الشبكات العنكبوتية التي يمكنها إرساء أسس الازدهار الأميركي وإحقاق قيادتها في القرن الحادي والعشرين.
قاربت عملي وملئي ثقة بنقاط قوة بلدنا الدائمة، وبعزم حيال ما تبقى خارج معرفتنا وسيطرتنا. وعملت على إعادة توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحوما أسميه القوة الذكية». فللنجاح في القرن الحادي والعشرين، نحتاج إلى دمج الأدوات التقليدية للسياسة الخارجية، أي الدبلوماسية، والتنمية المساعدة، والقوة العسكرية، في حين نستنبط أيضا طاقة القطاع الخاص و أفكاره ونمكن المواطنين، خصوصا النشطاء والمنظمين والمختصين بحل المعضلات الذين نسميهم المجتمع المدني، كي يواجهوا تحدياتهم الخاصة ويرسموا مستقبلهم. علينا أن نستخدم كل نقاط القوة الأميركية لبناء عالم، فيه المزيد من الشركاء وقلة من الخصوم، المزيد من المسؤولية المشتركة وصراعات أقل، المزيد من فرص العمل الجيدة وفقر أقل، المزيد من الازدهار القائم على أسس واسعة النطاق، مع أقل ضرر على بيئتنا ..