الصفحة 570 من 636

كونها أكبر شريك تجاري لأفريقيا، وبرز نمط جديد: تدخل الشركات الصينية سوقا، وتوقع عقودا مربحة لاستخراج الموارد، وتشحنها إلى آسيا. في المقابل، تبني مشاريع ذات بنية تحتية لافتة، من مثل ملاعب كرة القدم والطرق السريعة (التي تربط في كثير من الأحيان بين منجم ومنفذ تملكهما الصين) . وتبني حتى مقرا ضخما جديدا للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، في أثيوبيا.

وقد رحب، من دون أدنى شك، كثير من القادة الأفريقيين بهذه المشاريع التي ساعدت على تحديث بنية القارة التحتية، حيث لا تتجاوز نسبة الطرق المعبدة 30 في المئة. لكن الصينيين استقدموا عمالهم بدلا من توظيف العمال المحليين الذين يحتاجون إلى فرص عمل ودخل دائم، وقلما أولوا اهتماما للصحة والتنمية، وهما التحديان اللذان أقلقا الدول الغربية والمنظمات العالمية. وغضوا الطرف كذلك عن انتهاكات حقوق الإنسان والسلوك المعادي للديمقراطية. فالدعم الصيني القوي لنظام عمر البشير في السودان، على سبيل المثال، خفف إلى حد كبير فاعلية العقوبات والضغوط الدولية، مما دفع بعض النشطاء المعنيين بالإبادة الجماعية في دارفور إلى الدعوة إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008.

وقد تزايد قلقي في شأن الآثار السلبية للاستثمار الأجنبي في أفريقيا، وكثيرا ما طرحت المسألة على القادة الصينيين والأفارقة. وفي زيارة لزامبيا عام 2011، سألني أحد الإعلاميين التلفزيونيين عن الآثار المترتبة على هذا النوع من الاستثمار. تتخلص وجهة نظرنا بوجوب جعل الاستثمارات في أفريقيا دائمة، ولمصلحة الشعوب الأفريقية على الأجل الطويل»، على ما أجبت. كنا نجلس في مركز طبي تموله الولايات المتحدة من أجل رعاية الأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، الإيدز. وكنت التقيت والدة شابة مصابة بالفيروس، ولكن بفضل العلاج الذي تلقته في المركز، لم تنقله إلى ابنتها البالغة أحد عشر شهرا. بالنسبة إلي، كان ذلك مثالا رائئا عن الاستثمار الذي توظفه أميركا في أفريقيا. هل نقوم بذلك لكسب المال؟ كلا، نفعل ذلك كي يتمتع الشعب الزامبي بالصحة والازدهار، مما يعد في النهاية من المصالح الأميركية. نحن نستثمر في الشعب الزامبي، وليس في النخبة منه وحسب، ونستثمر على الأمد البعيد»، على ما قلت.

وتابع الصحافي بسؤال عن الصين تحديدا. هل يمكن النظام الاقتصادي والسياسي الصيني أن يكون نموذجا تحتذيه الدول الأفريقية، على ما سأل، «بدلا من مفهوم الحكم الرشيد الذي ينظر إليه عموما في أفريقيا أنه مفروض من الغرب؟» . قد أكون أول من يشيد بإنجاز الصين في إخراج ملايين الناس من الفقر، أما الأمر، في ما يتعلق بالحكم الرشيد والديمقراطية، لا يدعو إلى التفاؤل. على سبيل المثال، تعني سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما بالنسبة إلى الصين، تجاهل ما يحدث، أو التحريض على الفساد الذي يكلف الاقتصادات الأفريقية حوالي 150 مليار دولار سنويا، وإخافة المستثمرين وتهريبهم، وخنق الابتكار، وإبطاء التجارة. فالمساءلة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت