فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 64

وحاجتي أمام عطائه، إنها ساعات حالكة بأزمانها وصعبة بمراسها، لن يزور مخيلتي سوى ذلك الحلم الجميل الذي زين رؤاي وأمطر الاطمئنان على حقول وجعي الجارف، رحت هناك حيث ربوع افغانستان، ذلك البلد الجميل المنكوب، بقعة الهجرة ومركز الدعوة ومزارع الشريعة، حيث مدن الصلاة وساحات الجهاد، ومقر أمير المؤمنين المجاهد الملا محمد عمر ـ حفظه الله ورعاه ـ عالما وقائدا ومنبتًا للتضحيه والإيثار بالنفس رغم ضيق حدود الارض ومصادر الإستمرار، إنه لا يخاف في الله لومة لائم وهكذا الصادقون ....

لملمت اطرافي المتناثرة هنا، وهناك خلف الباب، وقلبت صفحات الذاكرة، فعادت بي لأيام خلت وانا أُرافق القائد ابا زبيدة بين طيات مواقع الجهاد، كان يقول لي:-

يا أبا عبيدة، أشعر باننا مقصرون، أشعر بأن لفلسطين حقًا ودينًا عليّ، يجب ان نقدم لها شيئا ما، يجب ان نخدمها، يجب ان نقدم لها الكثير كلمات مضيئة، ومصابيح تنير دروبا مظلمة، كلمات كان لها وقعٌ في قلبي ولا زالت تجري كدم تدفق نقاوة وحياة جديدة، كان شغله الشاغل وفكره الدائم ... كيف ينقل تلك الصفحات الجهادية المشرقة والملاحم الخالدة التي سطرت بالأشلاء والدماء فوق ذرى الهندوكوش الى ساحات الاقصى المبارك ...

تابعت تقليب صفحات كتاب الذاكرة الذي يحتوي على الكثير من الذكريات المتكدسة، وهي تفوح بعطر اللحظات التي مرت مع ذلك البطل الذي افتقدته ويفتقده الكثيرون ..

قندهار تلك المدينة الشامخة في قلب صحراء تحيطها جبال، محتضنة افواج المجاهدين، وهي تتعرض لتمزيق رهيب، أشرفت عليه الماسونية العالمية وخطط له أذناب الارض وكفارها وعملاؤها، ولكنها ستعود الى احضان الاسلام قريبا بإذن الله، وذلك ليس ببعيد.

عندما اتخذ قرار الانسحاب من قندهار، قال له بعض الاخوة: اخرج معنا فالطريق آمن فرد عليهم قائلا:-

(سأبقى مع الاخوة، لن أخرج الآن فالمعركة لازالت مستمرة، ولم تنته بعد، وأظن بأنها طويلة ونحن في بدايتها) ...

نعم إنها معركة طويلة، وستكون نهايتها إن شاء الله في مراتع البيت الأسود الأمريكي، وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون.

لا زلتُ أتذكر تلك الليلة الباردة الشاتية في جبال شاهي كوت، وهي عالقة في ذاكرتي، لن أنساها أبدًا ما دمت حيا، عندما انتهينا من توزيع الإخوة المجاهدين على الخنادق تلحّف كل منا ببطانيته منتظرين وصول الدفعة المتبقية من الأغطية، لكن الوقت تأخر كثيرًا، وازداد المكان عتمة وبرودة شديدتين، فقلت له ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت