فهرس الكتاب
هيا بنا نذهب الى الخندق، إنني أشعر بالتجمد من شدة البرد، وأعتقد بأن الأغطية لن تصل اليوم فأجابني قائلا: ـ ... (اصبر قليلا، اعتقد بأنها سوف تأتي بإذن الله تعالى) ....
( ... وبقيت تنتظر يا أبا زبيدة ... )
نعم أيها البطل كنت شامخًا وستبقى كذلك، رغم القيود وحتى تخرج من هذه الدنيا إن شاء الله.
نعم أيها الصنديد، كنت جبلا راسخا ً، ضاربا ًجذورك في الأعماق أعماق الأرض لا تهزك الرياح العاتية، شجاعًا، مقدامًا ... ، أتذكرك حينما كنت تقول لي أُريد أن اذهب الى إحدى المدن القريبة من الحدود الافغانية الباكستانية، حينما تعطل خروج المجاهدين من هذه المدينة، لقد قلت لي يجب أن اذهب، إنها ايام معدودة، ثم سأعود بإذن الله ... ،
رددت عليك بأنني سأذهب الى تلك المدينة لأن الطريق غير آمن، والجيش ينتشر في كل الأمكنة، إن الأمر خطير عليك يا ابا زبيدة، لكنك صممت على الذهاب بنفسك، وقلت لي: ـ ... (إنك لا تستطيع يا أبا عبيدة، أُريد أن اطمئن بنفسي على وصول المجاهدين بسلام)
ومضيت وحدك في الطريق الطويل
وإن كنت ناسيًا يا أبا زبيدة، فلا أنسى تلك الدقائق الحرجة التي صبت فيها طائرات الصليب، حممها على المنزل الذي تجتمع فيه مع قادة الجماعات الجهادية في قندهار، وقد غطت الأتربة والحجارة نصف جسد أبي مصعب الزرقاوي ، والإخوة يُلحون عليك بالخروج، ويسحبونك حرصًا عليك وخوفا على سلامتك، والطائرات ما زالت تحلق في جوّ السماء، وأبت روحك الأبية، إلا أن تخرج أبا مصعب الزرقاوي وبقية اخوانه من تحت الركام، رغم المخاطر الجمة التي تكتنف المكان .... نعم كنت مقدامًا عندما يتراجع الشجعان ... عملاقًا عندما يتقزم الجبناء.
أفقت من تلك الذكريات الجميلة، التي أرجعتني لعهد قريب قد مضى بأيامه التي لا تنسى، وبأفراحه التي مازلت عالقة بالذاكرة ... ، محفورة قي القلب ... ، مسطرة على صفحات التاريخ ...
مودتها في مُهجتي لا يُزيلها ... بِعاد ولا يُبلي الزمان جديدها
أفقت على صوت خطوات كانت تقترب ببطء شديد، وكأنها تسابق الزمن للوصول الى مبتغاها .. ، حيث الباب الذي يربط السطح العلوي الذي أجلس فيه متخفيا ً ببقية الطوابق السفلى المكونة لهذا المنزل.
كانت عقارب الساعة في تلك الأوقات الحالكة تشير الى الواحدة بعدالظهر تقريبًا.
لملمتُ أطرافي المتناثرة خلف ذاك الباب، وتسمرت في مكاني منتظرًا ما ستحمله تلك الخطوات الغامضة بين طياتها، ومستسلمًا لقضاء الله و قدره الذي لا يرد.
بدأت التساؤلات تغزو مخيلتي من كل جانب، وتحيط بها من كل مكان ... ، اعتقدت في بداية الأمر أن المجرمين قد اكتشفوا بعد البحث والمتابعة والتدقيق، أن هناك شخصًا مازال مفقودا، لم يعثر له