فهرس الكتاب
ثم هل تتخيل أو تتصور أن رجلًا سجن من أجل إقامة الشريعة، وعرض نفسه للسيف والقتل من أجل إعمالها في الأرض تهون عليه حتى يجعلها كما يجعل الزنديق شأنها، وأنها خيار بين بدائل كثيرة!
ثم هل تتخيل أن يقول رجل هو تحت الموت من أجل دين الله، باع نفسه لله ولإقامة دين الله يبيع آخرته من أجل دنياه!
كل هذا محتمل في قلة تنتكس، تخاف الموت فتهرب، وتساوم فترضى، لكن الأصل هو إحسان الظن في هؤلاء، وحمل أقوالهم وأفعالهم على معنى الحق ما استطعت لذلك سبيلًا، حتى إذا بان الأمر بيان الشمس بلا سحاب رددته وحملت عليه بسيف الشرع والدين.
واعلم أن الطوائف لا يؤخذ مذاهبها من صغارها وجهالها، ولا من التابعين فيها، بل من كبرائهم، وعلمائهم، وهذا لا يعني أن علمائهم لا تصيبهم جهالة اللسان فيخطؤون في المقالة، وذلك في زمان ضعف فيه اللسان، وكثر على ألسنة الناس غلطه، وحين يقع لفظ موهم أو غالب عليه الغلط رد معناه إلى ما تعلم من معانيه عند هذه الطائفة، لأن هذا هو العدل الذي أمرنا الله عز وجل بإقامته.
أرجع فروع الكلام عند المخالف لأصوله، وأعد مجملاته إلى تفصيله، وحاكم اللفظ الناد إلى ما شرحه وبينه، ثم لا تنس أنك تتعامل مع مسلم يريد تحقيق مراد الله في نفسه ما استطاع سبيلًا.
تجميع كلام الخصوم ووضعه في سياق لم يرده صاحبه أشبه بمن جمع للإمام أحمد كلام الغلط والرخص والتأويل في فقه الفقهاء، فقدمه إليه، فسمى الإمام أحمد هذا الكتاب بكتاب الزندقة.