فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 103

كلمة في حق كلمة (25)

للفضيل بن عياض رحمه الله

[14 أكتوبر 2018 - 3 صفر 1440]

قال الفضيل بن عياض رحمه الله:"كفى بالله محبًا، وبالقرآن مؤنسًا، وبالموت واعظًا، اتخذ الله صاحبًا وذر الناس جانبًا".

(العزلة للخطابي) .

تواترت كلمات الصالحين في أزمانهم بهجر الناس وترك المخالطة الشديدة، وكلامهم هذا دعوة للانشغال بما ينفع المرء، وهؤلاء القائلون لهذا الكلام بذلوا أعمارهم في البداية بطلب العلم، ومجالسة العلماء والصالحين، فشهدت لهم حلقات العلم، وشهدت لهم الديار بالرحلة، والجري وراء الشيوخ، حتى تضلعوا، فامتلأت نفوسهم بالحكمة، ورغبت في الدار الآخرة ولقاء الله، فصارت مجالسة الناس تؤذيهم وترهقهم، وتشغلهم عما تحب هذه النفوس من الخلوة مع الذكر وقراءة القرآن والتأمل في العلم بالنظر في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعد لهم نظر لما يقول الناس، من كلام يغضبهم أو يرضيهم، فأنسوا بذكر الله، وطابت نفوسهم حتى أحبوه حبًا ملأ هذه القلوب، وحب الله تعالى إنما ينشأ أولا لمحبة القلوب للعظيم والجميل والرحيم والغفور والرزاق والجواد، وهكذا، فلما غشيت قلوبهم هذه المعاني من أسماء الله وصفاته أحبوه، ذلك لأنهم عرفوه، والعبد كلما ازداد معرفة بالله ازداد حبًا له، فاذا أحصى أسماءه عدًا، وعلمها معنىً، وتعبد بها حالًا ملأت محبة الله قلبه، فهو يذكره ليرضيه، ويحمده ليرضيه، إذ يسعده أن يفرح الله، ويسعده أن يذكره الله، ثم هو يحب الله لعطائه العميم، وكرمه البالغ، وجوده الذي لا ينتهي، ورزقه للعباد مع كثرة وتنوع مطالبهم وحاجاتهم، فيجتمع في قلبه حب الله لذاته العلية، وحبه لنعمه المتعدية إلى الخلق، ثم هو يعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت