ولا يتعارض هذا مع ما ورد من غربة الاسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الطائفة المنصورة المقاتلة بأنها غريبة.
2 -إجماع العلماء على أن ترك القتال الذي كان مأمورا به في الفترة المكية نسخ حكمه:
فقد قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} . (الجاثية: 14) : (وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك) .
وقال الشوكاني: (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ولأجله بعث الله رسله وأنزل كتبه ومازال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا لهذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - 1/ 945.
وإذا كان هذا الحكم منسوخا بالاجماع فكيف يسوغ اليوم العمل به؟! أليس النسخ دليلا على بطلان العمل بالحكم المنسوخ؟!
وحيث سقط القتال عن المسلمين بعد ذلك فهو ساقط للعجز لا لاستصحاب حكم الفترة المكية، والخلاف ليس لفظيا، لأن استصحاب الفترة المكية يعني سقوط القتال بالجملة، أما سقوط القتال للعجز فهو يقتضي العمل بالقواعد المكملة لقاعدة"التكاليف منوطة بالقدرة"أعني قاعدة"الضرورة تقدر بقدرها"وقاعدة"الميسور لا يسقط بالمعسور".) اهـ. من رسالة"بل انت من المبطئين".