والبكاء، فكأنما قد ولد وهو يحمل في دمه تلك النزعة، التي عرفت عنه فيما بعد، نحو الاستقلال والتفرد في الرأي والاستمتاع بالحياة على طريقته الخاصة.
وكبر الطفل وكبرت معه متاعب والديه، فقد كان عنيدا ومشاكسا في جميع تصرفاته، حتى انه كان يرفض كلمات التدليل والغنج التي تحيطه بها والدته!، كما كان شرس الطبع في مخالطته لأبناء حيه الذين هم في سنه فلا يكاد يمضي يوم دون أن يتعارك معهم، وكان الضرب والرفس اقل ما يرد به على كل من يتحداه أو يوجه إليه كلمة نابية، وكان الوالد في هذه الأثناء قد استقال من وظيفته ليتعاطى تجارة الخشب، إذ أن راتبه المتواضع لم يعد يسمح له بمجابهة نفقات الأسرة المتزايدة، إلا انه لم يوفق كثيرا في تجارته وسرعان ما اضطر إلى إغلاق حانوته الصغير وأصبح طريدا للدائنين والمرابين.
ونشب الخلاف بينه وبين زوجته حول إعداد مستقبل الطفل، فبينما كان هو يطمح إلى أن يرى ابنه ذات يوم موظفا في احد دواوين الدولة ليحمل لقب"أفندي"، كانت هي تحلم بان تجعل منه إماما دينيا؟؟! أو"خوجة"ـ بالتعبير التركي ـ يخطب فوق منابر المساجد ويؤم المصلين في صلاة الجمعة؟؟!!، ـ وهل المتاجرة بعرضها وشرفها وبيع جسدها بثمن بخس دراهم معدودة يمكن أن يجعلها تحلم أن ابنها سيذهب ويكون إماما وخطيبا؟؟!، إنها باختصار"بائعة هوى"ـ فتغلبت زبيدة على زوجها بفعل شخصيتها القوية، فألحق مصطفى بمدرسة دينية تابعة لأحد الجوامع القريبة، حيث بدأ يتلقى أول مفاهيم الدين الإسلامي، إلا انه لم يبد أي اهتمام لما يسمع أو يقرا أو يحفظ من أمور الدين، فقد كان شديد المقت لهذا النوع من العلم وللذين كانوا يقومون بتدريسه بطريقتهم التردادية ... (المملة) ، فيستحفظون طلابهم بعض الآيات والسور القرآنية العربية دون أن يفقهوا شيئا من معانيها، ولم يكد ينهي عامه الدراسي الأول في هذه المدرسة حتى يرفض العودة إليها رغم جميع توسلات والدته ودموعها في أكثر الأحيان.
وأخيرا رضخت زبيدة لمشيئة ابنها، فقد كانت تعرف مدى تصلبه وعناده، ونقلته إلى مدرسة أخرى كانت تقوم بتدريس العلوم الزمنية تدعى مدرسة (شمسي أفندي) .
واظهر مصطفى رغبة واهتماما كبيرين بهذا النوع الجديد من العلم، فاقبل على متابعته والاجتهاد فيه بنهم شديد أثار إعجاب بمقدار ما أثار حسد زملائه، إلا أن والده توفي فجأة وهو مثقل بالهموم والديون، فاضطرت والدته إلى هجر منزلها الزوجي في سالونيك والانتقال به وبأخته مقبولة إلى بيت شقيقها الفلاح في قرية قريبة تدعى (لازاسان) .
وفي لازاسان اضطر مصطفى إلى أن يحيا حياة الفلاحين وهي حياة لم تكن في أي حال أفضل من مستوى حياة الفقر التي كان يعيشها من مرتب والده الصغير في سالونيك، فكان يقود مع كل صباح مواشي خاله إلى المراعي في البرية ليعود به إلى المنزل في المساء، حيث يشغل نفسه هناك أيضا بتنظيف مراقدها وتدبير علفها قبل أن يأوي إلى فراشه، إلا أن هذا النمط من الحياة لم يعجبه أيضا، رغم أن هواء الريف النقي والتنقل في المراعي قد اكسبا جسمه قوة ومنعة، فبات موفور الصحة والعافية بعد أن كان شاحب الوجه نحيل الجسم، وكثرت مشاكساته مع والدته وشقيقها فكان يثور بوجهيهما لأتفه الأسباب، ويهدد بمغادرة المنزل إلى غير رجعة إذا لم يعيداه إلى مدرسة محترمة في سالونيك يستطيع مواصلة دراسته فيها، ولما كان خاله غير قادر على تحمل نفقات دراسته، فقد التجأت والدته إلى شقيقة لها ميسورة الحال، وأقنعتها بان تقرضها مبلغا من المال لتنفقه على تعليم ابنها ريثما ينال شهادته ويصبح قادرا على كسب معيشته فترده إليها، وهكذا عاد مصطفى إلى سالونيك، والتحق بإحدى مدارسها التي كانت ارفع مستوى من مدرسة ... (شمسي أفندي) .
وظنت زبيدة أنها قد ارتاحت أخيرا من شراسة ابنها ومشاكله، إلا أنها فوجئت ذات يوم بعودته إلى منزل شقيقها حاملا كتبه ودفاتره وأقلامه في حقيبة من القماش، مدلاة من فوق عنقه إلى ما تحت إبطه وهو مدمي الوجه مشعث الشعر ممزق الثياب! ولم تكن زبيدة بحاجة إلى كثير من الذكاء أو الحدس لتدرك السبب، فطالما الفت هذا المنظر عندما كانت لا تزال في