فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 44

منزلها الزوجي في سالونيك، حيث كان مصطفى يطل عليها في كل مساء تقريبا وهو على مثل هذه الحال، بعد أن يكون قد تشاجر مع فتيان الحي من أقرانه، إلا أن شجاره هذه المرة كان أكثر عنفا وابعد خطرا على مستقبله، فقد تعارك في المدرسة مع بعض الصبية ونالهم منه من الأذى مما ناله منهم، عندها تدخل (الناظر) وانتزعه من وسطهم بعد أن صفعه لرفضه ترك شعر احدهم وكان قد تشبث به محاولا طرحه أرضا، فما كان من مصطفى إلا أن رفس (الناظر) أيضا وشتمه، فانهال هذا عليه ضربا ولكما وطرده من المدرسة!. [1]

كان منعزلًا مكروهًا من زملائه كثير الشغب والمشاكل مع أساتذته، وكان يشعر بالفرح حين يعتدي على الآخرين، وكان يحب التعدي على الآخرين كما قال عنه (عرفان أوركا) . [2]

حياته العسكرية:

وأمام هذا الوضع المتمثل بالرفض لكل شيء: البيت وللمدرسة وللدين وللوظيفة وللحياة القروية، أصبح مصطفى مجرد عنصر إزعاج دائم ومتاعب لا تنتهي لوالدته ولشقيقها، فاحتاروا في أمره وفي أمر المستقبل الذي عليهما أن يعدانه له، وأخيرا خطر لشقيق زبيدة خاطر جديد ما لبث أن صارحهما به، لماذا لا يدخل مصطفى المدرسة العسكرية المجانية في سالونيك؟، فالجندية بما فيها من انضباط ونظام صارم هي السبيل الوحيد لترويض نفسيته المتمردة وطباعه الشرسة، فإذا ما قدر له أن ينجح فيها فقد ضمن حياته وأمن مستقبله، وإذا فشل فليذهب إلى الشيطان؟! انه الآن في الخامسة عشرة من عمره، وقد آن له أن يواجه الحياة ويتحمل مسؤوليته بنفسه؟!.

واستسلمت زبيدة لمشورة أخيها دون أن تستطيع إخفاء الدموع المنهمرة من عينيها خوفا وجزعا من هذا المصير المحفوف بالمخاطر الذي سيساق ابنها إليه، فقد كانت الجندية في نظرها مهنة العذاب والشقاء والموت، ومن يدري ما إذا كان مصطفى سيرغم في يوم من الأيام على ملاقاة حتفه في أحد أطراف السلطنة العثمانية الشاسعة كاليمن أو القفقاس!، وما إن فاتحت ابنها في المساء، وقبل أن يأوي إلى فراشه، بما يعتزم خاله بشأنه، حتى سرت في عروقه نشوة لم يشعر بمثلها من قبل، وومضت عيناه ببريق غريب كمن كان أعمى وأبصر فجأة إشراقة الشمس، لقد وجد أخيرا الطريق الذي أعده له القدر: الجندية، ولا شيء سوى الجندية! فالإرشاد والوعظ من على المساجد ووضع عمة (الخوجة) فوق رأسه، كما تريد له أمه؟!! ـ وهل العاهرة وبائعة الهوى تريد وتتمنى أن يصبح ولدها أمام مسجد أو خطيبا؟؟!!، ثم بأي عين يصعد مصطفى على منابر المساجد ويخطب في الناس ويكون لهم إماما وناصحا وأمينا؟؟!! ـ أشياء لم تكن تثير في نفسه أي رغبة أو ميل، وحياة الوظيفة، التي كان والده يتمناها له؟!!.

وفي الصباح الباكر انسل من غرفة نومه وخرج من البيت قاصدا سالونيك، فتذكر ضابطا مسننا محالا على التقاعد كان فيما مضى صديقا لوالده، فذهب إليه في منزله وطلب منه مساعدته على دخول المدرسة العسكرية الإعدادية، فتدخل وأوصى أصدقائه الضباط في المدرسة عليه، وتقدم مصطفى لامتحان الدخول فاجتازه بنجاح باهر. [3]

دخل المدرسة الحربية في سلانيك سنة 1893 م، وكان اسمها مدرسة الرشدية العسكرية، وكان يطلق عليه اسم مصطفى كمال، فقد كان يحمل اسم مصطفى فقط، ولكنه في احد الأيام يخاطبه أستاذ الرياضيات كمال أفندي بقوله:"إن تسمينا كلانا هو مصطفى، يجب أن يكون هناك تمييز، فلتضف إلى آخر اسمك كمال، كن أنت مصطفى كمال". [4]

وهكذا أصبح من ذلك اليوم: مصطفى كمال.

واقبل بكليته وبحماس بالغ على دراسته العسكرية حتى أحرز فيها تفوقا باهرا، وظهرت مواهبه أكثر ما ظهرت في الرياضيات واللغات الأجنبية، لا سيما الفرنسية، كما اظهر براعة فائقة في تنظيم الطوابير والاستعراضات العسكرية، مما أثار إعجاب احد أساتذته المدعو مصطفى أيضا فرقاه إلى رتبة (تلميذ مدرس) وطلب منه الإشراف على بعض الدروس التي كانت تلقى على التلامذة الصغار المبتدئين، وسر مصطفى أيما سرور بهذه الترقية السريعة التي أتاحت له لأول مرة فرصة السيطرة وإصدار الأوامر.

وقضى مصطفى كمال سنتين في مدرسة سالونيك الإعدادية برز خلالهما جميع رفاقه في جميع المجالات، فقد كان مبدؤه في الحياة أن يكون الأول في كل شيء أو لا يكون شيئا على الانطلاق! وفي نهاية العام الثاني تقدم إلى امتحان فكانت درجته الأول بين جميع المتخرجين وعلق اسمه على لائحة الشرف، وأرسل إلى المدرسة العسكرية العليا في ... (موناستير) في مقدونيا. [5]

وفي هذه الأثناء تتزوج أمه التي كانت أرملة ناضجة في الخامسة والثلاثين من عمرها، دون أن تخبر أحدا من أبنائها من احد الموظفين.

فقد غضب مصطفى كمال من أمه لزواجها هذا وترك البيت، وذهب إلى أخت زوج أمه، أي عند أخت علي رضا أفندي، وأصبحت علاقته بوالدته علاقة ضعيفة وزياراته لها قليلة وعلى فترات متباعدة، وتخرج من موناستير سنة 1899 م. [6]

وفي سن 18 - 19 يأتي إلى اسطنبول للالتحاق بالمدرسة الحربية (الكلية الحربية) وكان قد ترك الأدب، ولكنه استمر في هوايته للخطب.

وفي مدرسة الحربية يشترك في مسابقات الخطب التي كانت تقام بين الطلاب، ثم تسري إليه عدوى السياسة التي كانت موضة تلك الأيام بين طلاب الحربية والطبية، ففي تلك الفترة كان المثقفون السطحيون يرددون نفس النغمة أثناء تنافسهم على البروز في التكتلات والأحزاب:"البلد يسير في طريق الخراب، والديكتاتورية تكتم الأنفاس، الحرية! الثورة!". [7]

ولقد رسخ في العقول الثورية ـ أي هؤلاء المثقفون السطحيون ـ أن إسقاط النظام ـ أي الخلافة الإسلامية ـ يجب أن يتم على أيدي هؤلاء الضباط بواسطة انقلاب عسكري؟؟!!، لان الثورة الشعبية أمر شبه مستحيل نظرا للمكانة الدينية الرفيعة التي يتمتع بها السلطان في نفوس السواد الأكبر من الشعب بوصفه خليفة على المسلمين!.

وانخرط مصطفى كمال في هذا التيار الثوري بحماس بالغ، فبدا يحضر الاجتماعات السرية التي كان رفاقه يعقدونها لمناقشة أوضاع البلاد، ويساهم في صياغة المنشورات الثورية!

التي تدعو لقلب نظام الحكم. [8]

وفي الكلية الحربية وكذلك في كلية الأركان يقال بأنه اصدر مجلة مكتوبة بخط اليد وانه جعلها تتداول بين أصدقائه، ولعدم وجود أية نسخة من هذه المجلات بين أيدينا اليوم لا نعلم بالضبط محتوياتها، ولكنننا لا نعتقد بأنها كانت على اتجاه سياسي معين أو تحمل قيمة فكرية.

ويذكر صديقه (عاصم كوندوز) بان مصطفى كمال عندما كان طالبا في الكلية الحربية بدأ يأخذ دروس خصوصية في اللغة الفرنسية عند امرأة أجنبية، وانه كان يجلب معه سرا بعض مقالات أنصار الحرية ـ وهم من الأتراك الموجودين في باريس ـ وكذلك بعض المطبوعات الفرنسية حيث يقرأها لأصدقائه وكان مفتونا بإنشاد قصيدة الحرية وقصيدة ... (يا ويلاه!) للشاعر (نامق كمال) بصوت عال، [9] إلى جانب ما تصل أياديه من كتب مثل ... (فولتير) و

(1) ذئب الأناضول، مصطفى الزين، ص: 17 - 20.

(2) المنارة المفقودة، د. عبد الله عزام، ص: 5.

(3) ذئب الأناضول، مصطفى الزين، ص: 21 - 22.

(4) الرجل الصنم، ضابط تركي سابق، ص:55.

(5) ذئب الأناضول، مصطفى الزين، ص: 23.

(6) المنارة المفقودة، د. عبد الله عزام، ص:6.

(7) الرجل الصنم، ضابط تركي سابق، ص:57.

(8) ذئب الأناضول، مصطفى الزين، ص: 26 - 27.

(9) الرجل الصنم، ضابط تركي سابق، ص: 58 - 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت