انه تراجع في اللحظة الأخيرة بعد أن اعتبر القضية مجرد مغامرة، فأعضاء جمعية الاتحاد والترقي لا يزيدون على الثلاثمائة شخص ما بين عسكريين ومدنيين، عدا أن القائمين بالثورة لم يبنوا تصرفهم على أي دراسة صحيحة واقعية لإمكانية تجاوب الشعب وسائر قطاعات الجيش معهم، فبقي منصرفا إلى واجباته العسكرية البحتة، وكان يرد على كل من يسأله رأيه بهذه الثورة إنها"مجرد مغامرة لن تعيش أكثر من يومين".
إلا أن الثورة نجحت رغم كل التقديرات المعاكسة، ولأول مرة اخطأ مصطفى كمال في حساباته وتحسباته للأمور الجدية، فالجنود الذين أرسلهم عبد الحميد على جناح السرعة من اسطنبول إلى مقدونيا لسحق الثورة ما لبثوا أن انضموا إلى القائمين بها، إذ أقنعهم الثوار بان الثورة إنما قامت لمصلحتهم، عندها اصدر عبد الحميد أوامره إلى إحدى الفرق المرابطة في العاصمة، والتي كانت تعتبر من أفضل فرق الجيش تدريبا وانضماما بالتوجه إلى مقدونيا والقضاء على الجنود الذين قاموا بحركة التمرد، إلا أن هذه الفرقة رفضت تنفيذ الأوامر، مما رفع معنويات القرار واكسبهم نصرا لم يكونوا ليتوقعوه أو حتى ليحلموا به، فقرروا الزحف على العاصمة، فأدرك عبد الحميد أن الثورة ليست مجرد عمل طائش قام به بعض المغامرين وشعر أن العرش بدأ يهتز من تحته، فأعلن تشكيل حكومة وعهد إليها بتطبيق الدستور الذي كان (مدحت باشا) قد وضعه عام 1876 م، وامتدح الثوار ووصفهم بأنهم أبطال الوطن وحماته البواسل، ثم أعرب عن استعداده لاستقبالهم والترحيب بهم في قصره في استانبول وتهنئتهم على العمل البطولي الذي قاموا به!. [1]
وكانت هناك عدة أسباب جعلت من جمعية الاتحاد والترقي أن تبقي السلطان عبد الحميد الثاني في تلك الفترة على العرش منها:
1 -لم تكن في حوزة الاتحاد والترقي القوة الكافية بعزله في عام 1908 م.
2 -إتباع عبد الحميد الثاني سياسة المرونة معهم، وذلك بتنفيذ رغباتهم بإعادة الدستور.
3 -ولاء العثمانيين لشخص السلطان عبد الحميد، وهذه النقطة واضحة، حيث أن لجنة الاتحاد والترقي لم تكن لها الجرأة الكافية على نشر دعايتها ضد السلطان عبد الحميد الثاني بين الجنود، لأن هؤلاء كانوا يبجلون السلطان. [2]
أما مصطفى كمال عندما احتلت ليبيا من قبل ايطاليا سنة 1911 م، فانه يذهب إلى ليبيا للاشتراك في محاربة الايطاليين.
وقد اشتهر مصطفى كمال بمقاومة الاحتلال الايطالي لليبيا [3] ، وهناك في ليبيا نجد كل من يشتهي أن يلمع اسمه، من أنور إلى مصطفى كمال، وباعتراف مصطفى كمال فان هذه المقاومة كانت عبثا وبدون أمل أو فائدة إلا فائدة واحدة وهي إيهام الشعب بان الواجب الوطني يراعى ويوفى بحقه، أي خداع الشعب. [4]
إن الصهيونية العالمية لم تقتصر على الانقلاب الدستوري لعام 1908 م، بل تعاونت مع جمعية الاتحاد والترقي لتحقيق مكاسب أخرى في فلسطين، وعليه كان لابد من التخلص من السلطان عبد الحميد الثاني نهائيًا ولذلك دبرت أحداث في 31 أبريل 1909 م في استانبول وترتب على أثرها، اضطراب كبير قتل فيه بعض عسكر جمعية الاتحاد والترقي؛ عرف الحادث في التاريخ باسم حادث 31 مارت. [5]
واتفقت هذه الرغبة مع رغبة الدول الأوروبية الكبرى خاصة بريطانيا التي رأت في ذلك الخطوة الأولى لتمزيق الإمبراطورية العثمانية، وشعر اليهود والأرمن أنهم اقتربوا كثيرًا من
(1) ذئب الأناضول، مصطفى الزين، ص: 42 - 43.
(2) الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، علي الصلابي، ص:807 - 808.
(3) تاريخ الدولة العثمانية، د. علي سلطان، ص: 390.
(4) الرجل الصنم، ضابط تركي سابق، ص:73.
(5) الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، علي الصلابي، ص: 808.