بالعنف"، كما جاء"إننا نطالب بالإصلاحات ولا نقصرها على هذه الولاية أو تلك، بل نطلبها للإمبراطورية كافة، لا لمصلحة قومية واحدة، بل لمصلحة العثمانيين كافة سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مسلمين". [1] "
وبعد فترة من الوقت أسست صحيفة أخرى ناطقة باسمها، وهي صحيفة (ميزان) ، والذي أسسها، (مراد بك ميزانجي) في مصر، وأصبحت الصحيفتان ناطقتان باسم الجمعية، والتي تعبر عن جناحيها.
وكانت الصحيفتان تدخلان إلى الأراضي العثمانية، فأما (مشورت) التي يصدرها ... (احمد رضا) في فرنسا، فكانت ذات سمعة سيئة نظرا لأنها كانت تعبر عن وجهة نظر ... (احمد رضا) نفسه، ولفقدانه الكثير من أصدقائه، وتصلبه في كثير من المواقف، بالإضافة إلى تصورات (احمد رضا) الوضعية والمادية حيث كان من أنصار مذهب ... (أوغست كونت) ، وأما صحيفة (مشورات) فكانت تعبر عن آراء مراد بك.
وهذه الصحف والمجلات كانت تجد طريقها إلى الدولة العثمانية دائما وكما في السابق عن طريق دوائر البريد الأجنبية حيث كان في عاصمة الدولة كما معظم المدن الرئيسية مكاتب للبريد الأجنبي تابعة لسفارات الدول الأوروبية وقنصلياتها، وكانت جميعها مصونة من التفتيش والمراقبة بسبب ما منحهم لهم الامتيازات الأجنبية، وكان يتم تسليم هذه المطبوعات المختلفة إلى المجموعات السرية التي تقوم بتوزيعها سرا على عناصرها.
ولقد كان السلطان عبد الحميد يعي ذلك جيدا فيقول"هؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم اسم تركيا الفتاة [2] كانوا في الأصل ثلاثة أشخاص أو خمسة، وهؤلاء عملوا ضدي عدة سنوات في أوروبا، تكلموا، خططوا، كتبوا، كل ذلك قبل أن يفكروا أن العمل ضدي معناه أيضا العمل ضد الوطن، لقد كانت صحفهم التي يصدرونها تأتي خفية إلى البلاد عن طريق البريد الأجنبي، وتوزع بواسطة الأجانب".
ويمكن الإجمال أن جمعية الاتحاد والترقي لها جانبين:
الأول: الجانب السري الذي تتكون منه خلايا ومجموعات الاتحاد والترقي داخل الدولة العثمانية وتتبع طرق الحذر.
الثاني: الجانب العلني والذي تتكون منه خلايا مجموعات الاتحاد والترقي خارج الدولة العثمانية خصوصا في أوروبا. [3]
(1) أسباب خلع السلطان عبد الحميد الثاني، يوسف عمر، ص:112 - 113.
(2) جمعية تركيا الفتاة: هي جمعية سرية أنشاها الأتراك العثمانيون سنة 1865م وحضر أول اجتماع لها عقد في شهر يونيو - حزيران من ذات السنة ستة من الأحرار كان من بينهم نامق كمال، وآية الله بك، وقد احضر الأخير معه في الاجتماع كتابين عن جمعة الكاروناري Carbonari والآخر عن جمعية سرية في بولندا، وكانت جمعية الكاروناري جمعية ايطالية تأسست في نابولي عام 1807 من المشتغلين بحرق الأخشاب، وكان هدفها طرد النمساويين والفرنسيين من شبه جزيرة ايطاليا وتوحيدها وتأسيس حكومة دستورية بها، وانضم إلى جمعية تركيا الفتاة في وقت مبكر الأمير مصطفى فاضل وهو أخ الخديوي إسماعيل من أبيه، وأصبح من أقطاب الجمعية.
ومنذ سنة 1867م حين انتقل مركز نشاط الجمعية السياسي إلى أوروبا بسبب إبعادهم أو نفيهم حرص الأوروبيين على إطلاق اسم La Jeune Turquie أي تركيا الفتاة عليها، وفي اللغة التركية لا يرد الاسم إلا في صيغته الفرنسية المستعارة"حون ترك"، وقد نمت الجمعية بسرعة وأصبح عدد أعضائها في وقت من الأوقات 245 عضوا.
وتمثل حركة تركيا الفتاة حركة قومية علمانية تستند أساسا إلى قطاع المثقفين، وكانت تستهدف تحقيق أربعة مبادئ وهي الحرية الفردية، قيام النظام الدستوري، القضاء على الإقطاع، التحرر من السيطرة الأجنبية، ولذلك ارتبطت الحركة القومية في مبدأ نشأتها بحركة تركيا الفتاة. انظر: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، أ. د. عبد العزيز الشناوي، ج2، ص: 1004 - 1006.
(3) أسباب خلع السلطان عبد الحميد الثاني، يوسف عمر، ص:116 - 117.