أردت أن أدخل واحدة أو واحدًا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتًا [1] يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها». قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطعن بمخصرته في المنبر: «هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة - يعني المدينة - ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟» فقال الناس: نعم. «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو [2] من قبل المشرق ما هو من
(1) صلتا أي: مسلولًا.
(2) قال النووي رحمه الله: قال القاضي: (ما هو) زائدة صلة للكلام وليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهات المشرق.
تمسك بعض أهل العلم بحديث تميم هذا وبناء عليه قالوا إن الدجال غير ابن صياد.
فقال البيهقي (كما نقل عنه الحافظ في الفتح 13/ 326) : وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد وطريق أصح وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال.
وقال البيهقي أيضًا: فيه أن الدجال الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجهم وقد خرج أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدًا؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسأله أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا (قال البيهقي هذا الأخير بناء على رواية عنده فيها أنه أي في حديث تميم) شيخ، وقال الحافظ سندها صحيح مسجونًا في جزيرة من جزائر موثقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، وأما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لما سمعها لما يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر (أورده الحافظ في الفتح(13/ 327) ما يرد به على من زعم أن جابرًا لم يعلم بقصة تميم) فشهد حلفه عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال الحافظ في الفتح (13/ 328) : وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم، وكون ابن صياد هو الدجال؛ أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها. ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم.