قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفرا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه وهكذا قال غير واحد من السلف. اهـ (مجموع الفتاوى -(7/ 273)
وقال العلامة تقى الدين أحمد بن على المقريزى الشافعي - رحمه الله: وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقي الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلّى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وختن حيدرة، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا، وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبى العباس ابن أبى طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء باللَّه وأنبيائه ونبينا صلّى الله عليه وسلّم فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه فطعن بالسكين وصلب منكسا ثم أنزل وأحرق بالنار. اهـ (إمتاع الأسماع بما للنبى من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع -(14/ 378) - طـ/ دار الكتب العلمية)
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله: وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم} ْ. فيه مسائل:
الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا إنه كافر.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة، وبين النصيحة لله ولرسوله.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله، وبين الغلظة على أعداء الله.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل. اهـ (مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - كتاب التوحيد -(1/ 118)
وقال الحفيد سليمان بن عبد الله ابن عبد الوهاب - رحمهما الله: - باب من هزل بشيء فيه ذكر اللّه، أو القرآن أو الرسول. أي: إنه يكفر بذلك لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد. ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئًا من ذلك فمن استهزأ باللّه، أو بكتابه أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو هازلًا لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا.
ش: يقول تعالى مخاطبًا لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} ، أي: سألت المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} ، أي: يعتذرون بأنهم لم يقصدوا الاستهزاء والتكذيب، إنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} ، لم يعبأ باعتذارهم إما لأنهم كانوا كاذبين فيه، وإما لأن الاستهزاء على وجه الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورًا، وعلى التقديرين فهذا عذر باطل، فإنهم أخطئوا موقع الاستهزاء. وهل يجتمع الإيمان باللّه، وكتابه، ورسوله، والاستهزاء بذلك في قلب؟! بل ذلك عين الكفر فلذلك